من "العبور" إلى "الفواخير".. مصر تبدع

6-11-2025 | 13:41

ربما لا يعرف البعض معنى كلمة الاستدامة، ولكن هناك من شباب مصر من يعلمها جيدًا، ويعرف كيف يستفيد منها، ويحقق عوائدَ كبيرة للمجتمع وله أيضًا. والاستدامة معناها القدرة على تحقيق توازنٍ بين ثلاث ركائز رئيسة: البيئية، الاجتماعية، والاقتصادية. وتُعرف أيضًا بأنها القدرة على الاستمرار بثباتٍ واستقرارٍ على المدى الطويل، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية والعمل البشري.

مثلًا في مدرسة "الفواخير" للتكنولوجيا التطبيقية، والتي تضم ثمانين طالبًا فقط، والتي تعد أول مدرسة فنية لتعليم صناعة الخزف والفخار في مصر، وتم إنشاؤها في إطار خطة الدولة لإحياء الحرف التراثية وخلق أجيالٍ من الحرفيين المَهَرة. والمدرسة تحمل مشروعًا يختزل فلسفة الاستدامة بأكملها، حيث يعمل الطلاب على تطوير أسطح بلاط متعددة الوظائف، قادرة على تنقية الهواء، وتوفير إضاءة ليلية ذاتية التشغيل من دون كهرباء، ومنع نمو البكتيريا على الأسطح الملوثة.

نعم كما قرأت.. سيوفر كل هذا.

إنه مشروع من طلاب مدارس حكومية، بسيط في شكله، عميق في أثره، يسعى إلى مواجهة ثلاث من أكبر تحديات العصر: تلوث الهواء، والاستهلاك العالي للطاقة، وانتشار العدوى.

هذا الابتكار، يبرهن أن التعليم المهني في مصر لم يعد مجرد تدريب على الحِرف، بل مختبر حقيقي لتصميم حلولٍ علمية تُلهم العالم. وبهذه الأفكار استحقوا تمثيل مصر في جائزة كبيرة وعالمية وهي "جائزة زايد للاستدامة" وقد يحصلوا على نحو "150 ألف دولارٍ"، وهو ما يعود على المدرسة وكل ما فيها وحولها بفائدة كبيرة وتسجيل اسمهم في التاريخ. وإن لم يكسبوا فقد نالوا الفخر المصاحب بأنهم يحافظون على البيئة ويوفرون الطاقة، ويوقِفون العدوى.

ولقد سبق أن ترشحت مدارس مصرية من قبل لنفس الجائزة، وفازوا بمراكز متقدمة. وأعتقد أنه كان عندنا أيضًا تجربة عظيمة لمدرسة حكومية أخرى هي المتفوقين للعلوم والتكنولوجيا بالعبور، (ترشحت مرتين من قبل)؛ حيث قدم طلابها نموذجًا آخر من نماذج الإبداع العلمي. فمشروعهم الرائد في تطوير تقنية "الهيدروجيل" لمعالجة ندرة المياه وتدهور التربة، مما شكّل نقلة نوعية في التفكير الزراعي المستدام.

فهذه المادة البسيطة في مكوناتها، المعقدة في أثرها، مكنت التربة من الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية لفترات أطول، فخفضت استهلاك المياه بنسبة وصلت إلى 50% مقارنة بأنظمة الري التقليدية. ومع أنها طُورت داخل مختبر مدرسي، إلا أن تطبيقاتها تمتد إلى دعم أكثر من 100 ألف مزارع وطلاب في المجتمعات الريفية المصرية.

شخصيًا، فقد كتبت من قبل ودعوت الشباب المصري إلى تكرار تجربة الشاب الغاني مصطفى ضياء الحق الذي قابلته في أبو ظبي، في جائزة زايد للاستدامة. وحكى لي كيف حول حياة أربع دول أفريقية إلى الأفضل بفضل تقليل استخدام المبيدات عن طريق التكنولوجيا. وحصل على 600 ألف دولارًا كمركز أول.

وأعتقد يقينًا أنه يمكن تكرار تجربته عن طريق شاب مصري يدعى عمرو أبو دريع. أسس منصة رقمية مصرية، استطاعت أن تضع الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة المجتمعية. هذه المنصة أنقذت ما يزيد على 700 ألف مريض في تسع دول، من بينها السعودية والسودان وكينيا، عبر تمكين المستشفيات من التواصل مع أطباء أشعة متخصصين عن بُعد، وتقليص زمن التشخيص في الحالات الحرجة.

وبرغم أنه لم يفز فقد فعل ما عليه وحاول وعافر حتى يغير حياة الناس للأفضل.

وأخيرًا، الاستدامة ليست كلمة "شعاراتية" أو كلمة متكررة مملة، يطنطن بها شباب مصر وكفى، بل تأتي كحقيقة في الوعي الجمعي لجيل جديد يرى أن حماية البيئة ليست ترفًا، بل مسئولية وطنية وأخلاقية. ومن مدارس التكنولوجيا التطبيقية من "العبور" إلى "الفواخير"، تنطلق الأفكار المهمة غير التقليدية في مجالات الصحة والزراعة والمياه والبيئة. وتتوالى المبادرات التي يبتكرها شباب مصريون يحلمون ويحملون بين أيديهم مفاتيح الغد، ويُثبتون أن العقول المبدعة لا تحتاج سوى فرصة لتصنع التغيير.

فهل يفوزون بالجائزة؟! هل نرى من بينهم "أحمد زويل" جديد أو عالم جديد؟!

[email protected]

كلمات البحث