في ختام هذه السلسلة؛ أعرض عليكم رسالة جاءتني عبر البريد الإلكتروني من شخص ذيَّل رسالته بحرف الميم.
أنا أب في السبعين من عمري؛ رزقني الله بثلاثة من الأبناء كلهم ذكور؛ أحمدُ الله تزوجوا وأنجبوا وأصبح عندي من الأحفاد ثمانية؛ توفيت زوجتي منذ عام. ومن وقتها لا أرى أيًا من أبنائي؛ عام كامل لم أشاهد منهم واحدًا ولا أحدًا من أسرهم. وكنت أطلب منهم الزيارة لأشاهد الأحفاد، فقط أشاهدهم!!
أحمدُ الله أنني ميسور الحال؛ ولست في حاجة مالية لأي منهم؛ ولكنني في حاجة نفسية لرؤيتهم؛ لا أعرف كيف تمر هذه الأيام على كثرتها؛ وأنا وحيد؛ ولو مت فلن يعرفوا عني شيئًا؛ وأشهدُ الله أني لم أقصر في حق أحد منهم. ولا أريد الارتباط بأخرى فقد كنت أحب زوجتي عليها رحمة الله.
ولا أعرف هل تلك تدخل تحت باب إساءة الأدب؟
وأنا هنا أرد على الأب الكريم. نعم هي إساءة أدب بكل تأكيد؛ ولكنها مكسوة بعقوق عقابه عند الله كبير؛ فعقوق الوالدين لا كفارة له. قد يغفر الله ذنوبًا كثيرة ليس منها عقوق الوالدين.
لا تحزن يا سيدي.
فقد يأتي عقابهم في الدنيا على حياتك وترى بعينيك جزاء الله بهم. وأنت حي تُرزق. ولهؤلاء الأبناء هل تأمنون العقاب. حتى تسيئوا التعامل مع والدكم بارك الله فيه؛ وعوضه عن عقوقكم بما يرضيه ويكفيه.
أشعر أن حرف الميم الذي وقَّع به الأب كناية عن اسم مظلوم. وأعتقد أن الحياة حبلى بقصص شبيهة كثيرة؛ لأولاد جرتهم الحياة لزخمها وأنسَتهم بر والديهم؛ ومن ثم تزينت لهم الدنيا وهم في غفلة عن طاعة الله. لم يوصِ الله الآباء بأبنائهم؛ لأنه زرع فيهم حب رعايتهم والاهتمام بهم طوال حياتهم. ولكنه وصى الأبناء على الآباء لرد الجميل لهم ولقدر تضحياتهم.
حينما أمر الله (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)؛ كناية عن توقيرهما وقدر ذلك عند الله. وللأسف نرى بعض المشاهد المؤلمة لأبناء يتعدون باللفظ والفعل على آبائهم؛ وهذه سُبَّة في جبين الوطن.
نعم تتحرك الأجهزة المعنية بشكل يوجب الإعجاب لها على سرعة الاستجابة لأي خروج يمقته الناس. لذلك من يرى تجاوزًا في حق أب أو أم يجب أن يبادر ولا ينتظر شفقة الآباء على أبنائهم؛ ويبلغ الجهات المعنية.
وهنا لي سؤال. هذا النموذج الذي أشرت إليه الأب الوحيد؛ هل من بدائل يتم التعامل بها معه؛ فلو توفاه الله من يتولاه؟
أعتقد أنها ليست الحالة الوحيدة؛ وهي تؤشر لفكرة تبني تلك الحالات؛ سواء بالبحث عن آلية للتواصل معهم؛ أو بإيجاد دار مناسبة لهم يتمكنون من خلالها من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
انتهت الرسالة وانتهى الرد عليها.
وبقي أن نرسخ لفكرة رفض الخطأ ومواجهته بكل الحيل والسبل؛ حتى لا يستفحل ويصبح كارثيًا؛ ويكون تقويمه أو تعديله أمرًا مستحيلًا.
لا يجب السكوت عن الإساءة أيًا كانت؛ فالسكوت عنها يجعلها حقًا ويجعل المسيء صاحب حق. ويجب أن نتكاتف على تفعيل العقاب بحق المسيء؛ عله يكون سببًا في ردعه عن الإساءة.
حتى تتحول مقولة من أمن العقاب .. أساء الأدب؛ إلى قوة العقاب .. توجب الأدب.