سَبَّ أَحَدُهُمْ أَعرَابِيًّا، وقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ، هَأَنَذَا، أَسُبُّكَ وَأَشْتُمُكَ. فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا هَذَا، لَا تُغْرِقْ فِيَّ سَبًّا، وَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا، فَإِنِّي أَبَيْتُ مُشَاتَمَةَ الرِّجَالِ صَغِيرًا، فَلَنْ أَفْعَلَهَا كَبِيرًا، وَإِنِّي لَا أُكَافِئُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيَّ، بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ أُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ.
الْجَوَابُ الرَّقِيقُ، يُسْكِتُ الْغَضَبَ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، يُؤْتِيهَا مَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ: ﴿وَهُدوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَولِ وَهُدوا إِلى صِراطِ الحَميدِ﴾..
نَبِيَّانِ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، يُرْسِلُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، إِلَى شَرِّ خَلْقِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، إِلَى فِرْعَوْنَ، مَأْمُورَيْنِ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ!: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾..
الْقَوْلُ اللَّيِّنُ؟! مَعَ الْمُتَجَبِّرِ الْمُتَكَبِّرِ، الْمُتَعَنِّتِ الْمُتَغَطْرِسِ؟ كَيْفَ يَا اللَّهُ، وَلِمَاذَا؟!: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾..
هُنَا تَتَجَلَّى الْغَايَةُ وَالْعِلَّةُ، وَيَتَرَسَّخُ الْمِنْهَاجُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِلْبَشَرِ، حَتَّى مَعَ مَنْ عَادَاهُمْ، إِلَى أَنْ تَبْدُوَ جَمِيعُ الْأُمُورِ، وَيَنْكَشِفَ الْأَمْرُ الْمَسْتُورُ، وَتُقَامَ الْحُجَّةُ، وَيَبْلُغَ الْحَدَثُ ذِرْوَتَهُ، وَنَصِلَ فِي الْجَبَلِ إِلَى قِمَّتِهِ..
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾..
حُسْنًا، مَعَ كُلِّ النَّاسِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَشَاعِرِنَا مَعَهُمْ، مَحَبَّةً أَمْ كَرَاهِيَةً، وَقَرَابَتِنَا لَهُمْ، قَرِيبِينَ أَمْ بَعِيدِينَ، وَقَنَاعَتِنَا بِهِمْ، مُتَّفِقِينَ أَمْ مُخْتَلِفِينَ.
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾..
لَيْسَ الْحَسَنُ فَقَطْ، بَلِ الْأَحْسَنُ..
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾..
وَالنَّتِيجَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بَعْدَهَا تَكُونُ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾..
وَلِيٌّ حَمِيمٌ.. وَلَيْسَ وَلِيًّا فَقَطْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَلِيًّا، بِدَافِعِ الْخَوْفِ، أَوِ النَّفْعِ، وَإِنَّمَا حَمِيمٌ، أَيْ بِدَافِعِ الْوُدِّ وَالْحُبِّ..
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.. هَكَذَا كَانَ النبي مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهَكَذَا امْتَدَحَهُ رَبُّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَكَانَتْ دَعْوَتُهُ دَوْمًا إِلَيْهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .**
وَكَذَلِكَ أَيْضًا، يَمْتَدِحُ اللَّهُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ .
كَانَ النَّبِيُّ، (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ.
كَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) طَيِّبَ الْكَلَامِ حَانِيًا، أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا، عُرِفَ فِي وَجْهِهِ.
ارْتَجَفَ رَجُلٌ أَمَامَهُ، فَقَالَ: "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ"..
إِذَا بَلَغَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ، لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ؟ وَإِنَّمَا: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟" هُوَ نَفْسُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الَّذِي قَالَ لِمَنْ أَخْبَرَهُ، بِأَنَّهُ رَأَى فُلَانًا مَعَ فُلَانَةَ: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ"..
حُسْنُ الْخَاتَمَةِ، وَجَمَالُ الْعَاقِبَةِ، سَبِيلُهُمَا التَّوَاضُعُ، فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَلِينُ الْجَانِبِ، فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾..
فَالْجَزَاءُ هُوَ الْجَنَّةُ، وَتُصْبِحُ أَنْتَ وَاحِدًا مِنْ مُلَّاكِهَا!
وَمِنْ وُعُودِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ: "وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"..
"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، قَالُوا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ".
إِنَّ الْبِرَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ، وَجْهٌ بَشُوشٌ، وَكَلَامٌ لَيِّنٌ. وَمَا أَجْمَلَهَا مِنْ عَادَةٍ، لِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تُؤْذُوا الْقَوْمَ بِالْقَوْلِ، وَلَا تُجَادِلُوا الْحَمْقَى، فَقَدْ يُخْطِئُ النَّاسُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَكُمْ.
لَا تَغْتَابُوا النَّاسَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ "مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ"، كَمَا أَخْبَرَ نَبِيُّنَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
لَا تَجْعَلُوا أَقْوَالَكُمْ، عِنْدَ غَضَبِكُمْ، نَارًا حَامِيَةً لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، وَتَسَلَّحُوا بِالْكَلَامِ اللَّيِّنِ، الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحَقَّ الْبَيِّنَ.
إِنَّ الْقُلُوبَ كَالْقُدُورِ تَغْلِي بِمَا فِيهَا، وَأَلْسِنَتُهَا مَغَارِفُهَا، وَالْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ..
مَاذَا فَعَلْتَ أَيُّهَا اللِّسَانُ بِبَنِي الْبَشَرِ؟ بِسَبَبِكَ، كَفَرَ كَثِيرُونَ، وَظُلِمَ كَثِيرُونَ، طُلِّقَتْ زَوْجَاتٌ، وَهُتِكَتْ أَسْتَارٌ، وَانْتُهِكَتْ أَعْرَاضٌ، وَقُطِعَتْ أَرْحَامٌ، وَبُثَّتِ الْفِتَنُ، وَاشْتَعَلَتِ الْحُرُوبُ.
فِيمَا، فِي الْمُقَابِلِ، وَبِكَ أَيْضًا، هُدِيَ كَثِيرُونَ، وَتَعَلَّمَ كَثِيرُونَ، وَاسْتَقَرَّتْ أَوْطَانٌ، وَصُنِعَتْ حَضَارَاتٌ، وَبُنِيَتْ أَمْجَادٌ..
عَجِيبٌ أَمْرُكَ حَقًّا، صَغِيرٌ، وَخَطَرُكَ عَظِيمٌ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ فِيكَ: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا"..
أَطْيَبُ مَا فِي الْجَسَدِ، إِنْ صَلَحَ كَلَامُهُ، وَأَخْبَثُ مَا فِيهِ، إِنْ سَاءَ كَلَامُهُ.
حَقًّا وَصِدْقًا، الْكَلِمَةُ نُورٌ، وَبَعْضُ الْكَلِمَاتِ قُبُورٌ.