كنت أعلم أن المشهد العظيم سوف يعقبه جدل كبير يتفق مع شعور الجميع بعظمة مصر وتميزها على مر العصور؛ فالجرح عميق في نفوس وصدور هؤلاء الذين نشأوا وتربوا على كراهية مصر، والحقد والحسد ينصهران بداخلهم في بوتقة من تفاهة يذوبون معًا فيختلطون بشعور حاد من نقص سيطر وما زال يسيطر عليهم، يضعهم في إطار يتسم بالوضاعة والضآلة، يدفعهم للحديث ببلاهة جمة تجعلهم ينسبون مجد الآخرين لأنفسهم.
إن افتتاح المتحف المصري الكبير لهو إنجاز عظيم ونتاج ضخم لعمل دؤوب وجهد رائع مشترك، شارك فيه كل من عشق مصر بصدق بعمل جاد لا بحديث يطول عنها أو يقصر. انتظر المحبون لمصر من أبنائها هذا اليوم، استطلعوا هلاله وترقبوا مجيئه، حتى أن أغلبهم تمثل بصور الأجداد وشاركوهم تفاصيل أيامهم، توحدوا معهم فتلك عادتهم.
لاحظت كما لاحظ بعضكم هذا الكم الهائل من التنمر الذي استبق الحدث حتى من قبل وقوعه. رأيت الرغبة في الفشل تطفو فيعقبها انصهار يجعل كارهي مصر يصرخون ويضجون، يتعذبون بحالهم لكون مصر تتقدم. وهناك منهم من أعلن عن محبته وسعى لكي يقاسمنا فرحتنا وسعادتنا، نطقت كلماته بذلك وعبرت عنه قسمات وجهه وابتسامته المشرقة كشمس مصر، يجاورون تمثال المصري القديم فرحين ممتلئين بمشاعر العزة والفخر.
لقد استوعبت هذا الأمر، أدركته ووجدت فيه اختبارًا حقيقيًا ساعد أغلبنا على الفرز بدقة. المشهد أكبر من أن نتوقف أمام المتربصين لنا ونغضب لحديثهم، هؤلاء الزاعمين خبالًا بأن حضارتنا هي ملك لهم. المشهد أعظم من أن نتخطاه بمجده وبريقه لكي نتفرغ لمتابعة كل من سولت له نفسه بكراهية هذا البلد العظيم مصر.
العجب كل العجب يتجلى فيمن ينقلون عنهم بلا أي دراسة أو وعي، ينشرون غثاءَ سيلٍ لا قيمة له، يصرحون به ويتداولونه فيصبغونه بصبغة حق واضح. فهناك من هو مدفوع لفعل ذلك، وهناك من شارك بجهله بالترديد للباطل ونشره بهدف الحصول على أعلى نسبة من المشاهدات ولو كانت هذه على حساب مصر.
ستظل مصر كما كانت عابرة لحدود الزمان والمكان، فائقة متميزة سابقة للأمم ما بقيت، بكل تواضع تسير وتهدي عظمتها للجميع، تفخر بأنها صانعة الحضارة، وبأنها ساحة سلام وأمان لهم؛ فلديها جند من خير أجناد الأرض يحفظون لها سلامة أراضيها وأمنها، ولديها من بين أبنائها من حباه الله الرؤية بنوره، يتحد إذا ما لاحت أمامه علامات الخطر، ليزود عنها بروحه وبدمائه.
حفظك الله يا أرض المجد والعزة والكرامة، نصرك على كل من سعى للنيل منك.