وصايا لقمان الحكيم.. خارطة طريق لإنقاذ الأمة (5-5)

12-11-2025 | 13:58

فبعد أن انتهينا في الجزء الرابع من الحديث عن فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطهما الشرعية، نأتي إلى الحديث في هذا الجزء الخامس والأخير عن باقي وصايا لقمان الحكيم لابنه، التي هي في الأصل وصايا للأمة جميعًا. إذا ما طبقناها في حياتنا الدنيا سنَسعَد ونرتقي من خلالها، ونحقق غاياتنا المنشودة من السمو الأخلاقي الذي يحقق لنا سعادتي الدنيا، ونحصد جزاءه في الآخرة.

نأتي إلى وصية غالية، حيث يقول لقمان: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ).

فالصبر هنا يتبعه الاصطبار مصداقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا). فالاصطبار يعني المواظبة على الصبر والمداومة، دون الجزع والقنوط من رحمة الله واليأس. فإذا ما أصاب الإنسان المؤمن هم أو نَصَب أو تعب، وصبر على ذلك واحتسب أجرَه على الله تعالى، سيُبدلُه الله حالًا خلاف حاله التي كان عليها نتيجة صبره، مثلًا على فقدان عزيز أو خسارة في تجارة أو ذهاب ماله أو منصبه وجاهه وسلطانه، ثم قابل ذلك بالرضا دون الجزع واليأس، فحقيق على الله تعالى أن يُبدلَه خيرًا مما أخذ منه وفَقده.

وليعلم الجميع أنه لا يقع في ملك الله إلا ما قدَّره الله تعالى. فلا تظن أن ما فقدته أيها الإنسان خيرٌ، قد يكون خيرًا في ظاهره، لكن قد تكون عاقبته سوءًا فحَجبه الله عنك لحكمة لا تعلمها، لكنه تعالى يعلمها.

ولنا في الحديث الذي ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حديث قدسي، يقول: «من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليلتمس ربًا سواي». هذا تأكيد على ضرورة الرضا بقضاء الله والصبر على ابتلائه وشكر نعمه، ويربط ذلك بالإيمان بالقدر.

ثم نأتي إلى وصايا أخرى للحكيم لقمان:

(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).
وهذه الآيات دعوة صريحة من الله العلي الكبير المتعال إلى ترك الكِبر والتعالي على عباد الله تعالى.

فالكِبر خصلة من خصال الجاهلية الأولى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث ما معناه: "يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر يغشاهم الذل يدوسهم الناس بأقدامهم"، والقائل أيضًا: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر". فمن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فليَدَعْها، فهي خصلة أو صفة من صفات الجاهلية. ولنا في الحديث القدسي عن رب العزة، القائل: "الكبرياء رداؤي والعظمة إزاري من نازعني فيهما أدخلتُهُ ناري ولا أبالي".

ثم أين كانت مكانة ومنزلة إبليس عند الله تعالى؟ كانت له مكانة عظيمة وكان يُلقب بطاووس الملائكة، لكن كيف خرج من الجنة وطُرِد منها؟ خرج منها لأنه تعالى وتكبر على الله ولم يَنصع إلى أمره تعالى، ورفض السجود لآدم عليه السلام دون الملائكة الذين امتثلوا لأمره تعالى: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا)، (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). التعالي والتكبر على الله طرداه وأخرجاه من رحمة الله تعالى.

وقصص الجبارين المتكبرين كثيرة، هؤلاء الذين استغشوا ثيابهم وأصموا آذانهم وأصروا واستكبروا استكبارًا. فالنتيجة الحتمية: منهم من خَسف الله به الأرض وبداره، ومنهم من صَعَقهم الله تعالى، ومنهم من أغرقه الله تعالى في اليَم وهم مَلومون. ومنهم من أصابه الفقر بعد الغنى لأنهم تكبروا على الفقراء عيال الله ولم ينفقوا عليهم وأغلقوا أبوابهم أمامهم. ومنهم من اغتر وتكبر على خلق الله بقوته ومَنعته وعصبيته وكثرة أولاده، النتيجة: ذهب كل ذلك وانتهى.

الكبر كالنار التي إذا أتت على شيء جعلته كالرماد، لا تُبقي ولا تَذر.

أين أبي لهب؟ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ). أين الحكم بن هشام (أبو جهل) والوليد بن المغيرة؟ أين أهل القليب؟ صاروا جِيَفًا نتنةً. لماذا؟ لأنهم تعالوا على الله تعالى واستكبروا وظنوا أن عصبيتهم مانعتهم من الله شيئًا.

نعم، أقول لكل متكبر غَرّه منصبه وجاهه وسلطانه، سيفنى المنصب وسيزول، وستزول الدنيا كلها ولن يبقى إلا الأثر الطيب لك. فعلى ما تتكبر وتتعالى على خلق الله وتصعِّر لهم خدك؟ ينبغي الاستماع لشكواهم ومعاملتهم معاملة طيبة حسنة، حتى ولو بالكلمة الطيبة، فالتبسم في الوجه صدقة تؤجر عليها من الله.

فإذا كنت ترجو لقاء الله تعالى وتحب أن تلقاه وهو راضٍ عنك فاعمل عملًا صالحًا: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا).

هل تتكبر لأنك صرت كاتبًا مشهورًا، لاعبًا مشهورًا، ممثِّلًا مشهورًا؟ بدل أن تحمد الله على ما وصلت إليه، تتكبر على الله وتتأله عليه؟ أما تعلم أن تكبرك على خلقه تعالى يُعد تكبرًا عليه سبحانه؟ انظرْ إلى من كان قبلك ممن كانت سيرتهم ملأ السمع والبصر، مجرد أن كبروا وطَعَنوا في السن ولى عنهم كل شيء.

ليس هذا وحسب، بل منهم من أصيب بالأمراض الخطيرة حتى الدواء يتسولون ثمنَه ولا يجدوه، لماذا؟ لأنهم تكبروا على خلق الله.

لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة، الذي قال: "كلكم لآدم وآدم من تراب".

ولنا في قول الله تعالى المثل الأعلى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). لم يقل أغناكم، أو أجملكم، أو أقواكم، أو أكثركم علمًا. فالعلم يرفع صاحبه ويزيده تواضعًا دونما تكبر وتعالٍ.

وإنما بالتقوى تبلغ العُلى، وأول ضابط من ضوابط التقوى ألا نتكبر على خلق الله، وألا ننظر إليهم نظرة دُونيةً، فالناس سواسية.

ولنا في عمر بن الخطاب المثل الأعلى، الذي كان يلبس ثيابًا بالية مُرقَّعة، الذي أنزلته امرأة عجوز من على بغلته، قائلة له: كيف تركب على ظهرها وأنا أسير على قدمي؟ اتق الله، كنت عُميرًا فأصبحت عُمرًا.

لا تتكبروا وتتعالوا على خلق الله تعالى بعلمكم، فالعلم يبني صاحبه ويزيد فضائله، والجهل يقوده إلى الرذيلة، والكِبر رأس الرذائل التي نهى الله عنها.

والمتكبر ظالم لنفسه، فبتكبره على الآخرين يظلم نفسه، لأنه كما يفعل سيفعل به ولو بعد حين.

فلا تقل أنا خير من فلان أبدًا. لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.

وما أهلك من كان قبلنا إلا تكبرهم، يقول تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا).

لقد انتهت الطبقية المَقيتة، والعنصرية اللعينة. نعم انتهت طبقة السادة وما دونها عبيد. فلا يُعقل ونحن في القرن الحادي والعشرين أن نجد مُتنطعون مُتكبرون يظنون أنهم الأسياد وما دونهم عبيدًا، أم هي طبيعة في النفس الإنسانية؟ إذا كان ذلك كذلك، فهذه النفس أمارة بالسوء وينبغي تهذيبها، وأقصد بالسيد هنا الذي يتسيَّد على الناس ويتعاظم عليهم مُتكبرًا.

ثم تختتم الوصايا بقوله تعالى: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)، بمعنى: لا تتحدث بصوت مُرتفع، وتحدث في سكينة وهدوء، فإن الصوت المرتفع يضيع الحقوق ويُقلل وقار وهيبة صاحبه.

تلك هي وصايا لقمان الحكيم، فهل سنعمل بها؟!

* أستاذ بآداب حلوان

كلمات البحث