28-10-2025 | 14:33

يجمع المتحف الكبير بين جدرانه الشاهقة قيمتين غاليتين لا تُقدران بثمن: الأولى تاريخية، والثانية آنية.

أما القيمة التاريخية، فهي تلك الآثار البديعة والمذهلة التي اجتهد وثابر أجدادنا الفراعنة من أجل جعلها خالدة، لا تتلاشى معالمها وإبداعاتها مهما مر عليها الزمن وتعاقب، لتبقى شاهدة على عظمة وشموخ وتقدم الحضارة الفرعونية في كل المجالات.

وأما القيمة الآنية، فتتجسد في هذا الصرح الشامخ الذي يضم مقتنيات وآثار الفراعنة العظماء، وهو المتحف الكبير الذي يمثل قصة نجاح مشهودة، لا بد من سردها بتفاصيلها الدقيقة منذ لحظة ميلاد فكرة تشييده إلى أن اكتمل بناؤه وأصبح أيقونة جديرة بالفخر والإشادة.

وقد أضحى المتحف الآن معلمًا لا يفوت زيارته أي سائح أو زائر لأرض الكنانة، إذ يقف مشدوهًا، تتوالى في ذهنه تساؤلات متتابعة: كيف تمكن الفراعنة من إنجاز كل ما يراه؟ وهو ليس إلا جزءًا مما تركوه لنفخر به بين الأمم والحضارات القديمة والحديثة.

هذا المزيج الفريد بين القيمتين يضفي على المكان قوةً ورونقًا يصعب أن ينافسه فيه أحد، وكيف لا ونحن في حضرة أكبر وأضخم متحف في العالم؟

وسيزداد ألقُه وروعتُه مع تقاطر الزائرين عليه بعد اكتمال العمل في أجنحته، استعدادًا لافتتاحه السبت المقبل، في حدثٍ عالمي يترقبه كل محب وعاشق لعلم المصريات، وسيتابعه الملايين عبر شاشات التلفاز في أرجاء المعمورة، ويحضره قادة وملوك وأمراء ورؤساء دول ليكونوا شهودًا على هذه اللحظة التاريخية التي أراها ستكون فارقة.

إذ إن أسلوب وطريقة عرض آثارنا سيكونان مغايرين ومعاصرين، لأنهما سيرويان حكايتين في آنٍ واحد: حكاية الأجداد، وحكاية الأحفاد. ويا لها من قصةٍ مثيرةٍ وملهمةٍ لكل ذي عينين فاحصتين.

تلك العين الفاحصة عليها أن تدقّق مليًا فيما يضمه المتحف الكبير، وتستلهم منه الدرس الأكبر والأشمل الذي جعل أجدادنا يتكبدون عناء ومشقة إقامة المعابد والمقابر التي تضم كنوزهم وأثمن ما امتلكوه في حياتهم الدنيوية، وهو قيمة العمل والاجتهاد.

فالمصري القديم كان شعاره الأثير هو البناء، وإعلاء قيمة الكفاءة والإتقان على الكسل والتراخي، ومواجهة التحديات والصعاب بعزيمةٍ وإرادةٍ لا تلين، مهما كانت حدّتها وتعقيداتها. وعلينا أن نحذو حذوهم في كل وقت، وهو ما نراه من حولنا خلال الأعوام الماضية، إذ قطعنا فيه أشواطًا كبيرة.

لكن هذه الأشواط ليست سوى نقطة انطلاق، ويجب أن تتبعها خطوات وخطوات، خصوصًا في ظل ما نشهده من توترات واضطرابات تجتاح الشرق الأوسط وتهدد الأمن القومي لدوله، مع إصرار الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، على مواصلة التصعيد وتأجيج الصراعات في المنطقة، وعرقلة سبل إقرار السلام والأمن في الشرق الأوسط، في أعقاب التوصل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في غزة التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي بطريقةٍ وحشية.

وسبيلنا للتصدي لكل ما يهدد أمننا القومي هو العمل والجد والإتقان ووحدة الصف والوعي، وهي قيم لا بد أن تظل نُصب أعيننا وأسماعنا، وأن نقتفي آثارها في كل خطوةٍ واتجاهٍ نسير فيه، فهي طوق نجاةٍ من أي عقبةٍ تصادفنا على طريق التقدم والتعمير والرخاء.

كلمات البحث
الأكثر قراءة