ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يطرح فيها الرئيس الأمريكي ترامب خطة ما للتعامل مع الأوضاع الخطيرة وغير الإنسانية في قطاع غزة، والتي ساهم ترامب بدعمه اللامحدود لحكومة نتنياهو لتدمير القطاع بالكامل.
فقد طرح في البداية خطة تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن، ولكن تلك الخطة تحطمت على صخرة الموقف المصري التاريخي الرافض للتهجير بكافة أشكاله، وتلقى "لطمة" قوية من القاهرة لم يكن يتخيلها، بل كانت حساباته السياسية تؤكد قبول القاهرة لأي طرح من قبله وفي أي اتجاه.
ورغم خيبة أمله، إلا أنه فاجأ العالم بطرح جديد أو بالأحرى صفقة أخرى، حيث قال إنه سوف يسعى لتحويل قطاع غزة إلى "ريفيرا" الشرق، وضخ مليارات الدولارات في عمليات استثمارية ضخمة لم تشهدها المنطقة من قبل، دون النظر إلى أصحاب الأرض ومستقبلهم.
وبالطبع جاءت خطة فاشلة تمامًا وبعيدة عن الواقع المرير الذي يعيشه أهالي القطاع جراء الحرب الإسرائيلية الإجرامية عليهم.
ولم تتوقف خطط ترامب عند هذا الحد، بل طرح أيضًا فكرة تهجير الفلسطينيين إلى عدد من الدول الإسلامية مثل إندونيسيا وغيرها، حتى وصلنا إلى ما يسمى "مخطط ترامب لإنهاء الحرب في غزة وإدارة ما بعد حماس"، وهي الخطة التي طرحها خلال لقائه عددًا من قادة دول المنطقة والعالم الإسلامي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة -حاليًا- في نيويورك. وهي خطة في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب، حيث لن يستطيع ترامب فرضها على حكومة نتنياهو؛ لأنها ببساطة شديدة تتعارض تمامًا مع الطموحات الإجرامية لعصابة الحكومة الإسرائيلية، بل إنها تنسف إستراتيجيتها السياسية والعسكرية التي تعمل على تنفيذها في القطاع. وبالتالي سوف يرفض نتنياهو، أو في أفضل الأوضاع سيضع شروطًا تعجيزية جديدة عليها، من بينها حرية الحركة والتواجد العسكري الإسرائيلي في القطاع، وأيضًا وجود سيطرة إسرائيلية على مفاصل غزة أمنيًا.
يضاف إلى ذلك ما تضمنته خطة ترامب، من بين الـ 21 نقطة التي تشملها، عدة نقاط غير واقعية وتكشف عن جهل كامل من قبل الإدارة الأمريكية بطبيعة الأوضاع في المنطقة وفي غزة على وجه الدقة، حيث تطرح الخطة تشكيل قوة أمنية تضم فلسطينيين وعناصر من دول عربية وإسلامية، وهي نقطة شائكة وتبدو مستحيلة التنفيذ، حيث ستثار الكثير من الأمور المهمة في شأن من سيقود تلك القوة، وما هو دورها الحقيقي، وما هي الصلاحيات الممنوحة لها، وأين ستكون السلطة الفلسطينية بكل عناصرها ومكوناتها بعد اعتراف عدد من الدول الكبرى بها في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا؟ وهل سيقبل أهالي غزة وجود تلك القوة، أم أن سيد البيت الأبيض لا يرى سكانًا في القطاع؟
ولا تتوقف نقاط الخطة العجيبة عند هذا الحد، بل إنها تطرح تمويلاً عربيًا وإسلاميًا للإدارة الجديدة وإعادة الإعمار، فكيف ستدفع الدول أموالاً دون وجود أي ضمانات لها، ولماذا لم تشارك واشنطن في عمليات إعادة الإعمار؟
وفي نفس السياق جاء نص "مشاركة ما للسلطة الفلسطينية في الترتيبات"، ولا ندري ما هو حجم وأهمية تلك المشاركة للسلطة، والتي تم وصفها بـ "ما"، في إشارة واضحة لتقزيم دور السلطة الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة، في فترة يسعى فيها العالم لحصول دولة فلسطين على عضوية كاملة في الأمم المتحدة.
ويقينًا، فإن سيد البيت الأبيض، والذي يسعى للحصول على جائزة نوبل للسلام دون وجه حق، أصبح وسيطًا غير نزيه، بل أفقد واشنطن مصداقيتها وأضعف دورها كثيرًا في التعامل ليس مع أزمة غزة فقط، بل مع العديد من الأزمات حول العالم.
[email protected]