كانت الأخلاقيات في مصر القديمة جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والديني، حيث آمن المصريون القدماء بأن الكون لا يستقيم إلا بوجود "ماعت"، وأن أي فعل خاطئ أو ظالم يؤدي إلى الفوضى والخراب.
موضوعات مقترحة
لم تكن هذه الفلسفة حكرًا على الفرعون فقط، بل كان واجبًا على كل فرد في المجتمع، من أصغر مواطن إلى أعلى مسؤول، وكان يجب أن تحترم للحفاظ على استقرار المجتمع.
لم يفصل المصريون القدماء بين الأخلاق والقانون، فالقوانين كانت في جوهرها تجسيدًا لمبادئ "ماعت"، وكان احترام القانون واجبًا أخلاقيًا ودينيًا في آن واحد؛ لأنه يضمن تطبيق العدالة والحفاظ على النظام.
كانت الأحكام تُنفذ بحزم على جميع أفراد المجتمع حتى هذا المجتمع المعزول المعروف بقرية "دير المدينة"، فقد نفذت القوانين بحق العمال بصرامة واضحة، فقد ذكرت أوستراكا "12654 Berlin" أن نزاعًا حدث بين رسامين، أحدهما يدعى "باسر" والآخر "نب نفي".
وقد أثبتت التحقيقات أن الأخير قد ارتكب جرمًا، فحكمت عليه المحكمة بتوقيع مائة ضربة بالعصا، وكيه بالنار، وإحداث عشر وسمات على جسده، بالإضافة إلى تحويله إلى درجة نجار في مكان الحق(دير المدينة).
أما عن شخصية اليوم، فقد كانت حالة فريدة في المجتمع المصري القديم، إذ تجاوزت كل القوانين وتحدّت الأعراف، ولم تسجل السجلات أنها نالت عقاب رادع ولا نعلم ما السبب وراء ذلك، ولكن يبدو أن النفوذ كان له دور كبير في الإفلات من العقاب.. ولكن من المؤكد أن التاريخ المصرى سجلها في صفحاته السوداء من بوابات الشر والفساد الأدارى.
كان "بانيب"، كبير العمال في عهد الملك "سيتي الثاني"، كان شخصية مثيرة للجدل وسيئة السمعة للغاية، وتشير سجلات قرية دير المدينة إلى ارتكابه العديد من الجرائم، مما يبرز جانب قد يبدو خفيا عن حياة صناع الحضارة المصرية.
بدون أدنى مبالغة وبسجلات التاريخ قد يعتبر "بانيب" من أقدم المتحرشين في مصر القديمة، ومن أقدم من سجل بحقهم بلاغات قانونية بسوء الخلق حيث تذكر بردية حيث salt 124، المحفوظة الآن في المتحف البريطاني، أنه تم تقديم شكوى من قبل رجل يدعى "أمن أخت" إلى الوزير "حوري" بسبب تصرفات بانيب المشينة التي رفضها المجتمع المصري آنذاك، حيث ذكر أنه قام بالتحرش بأكثر من سيدة بقرية العمال، كما قدم للمحكمة بعد أن حاول الاعتداء علي سيده أثناء العمل، وتجمع النحاتين الذين بنوا المقابر لشهادة، حيث اتهم "بانيب" بتعرية امرأة وتعنيفها ورميها على حائط وضربها، وفي أسفل قائمة الاتهامات، تم اكتشاف سلسلة من النساء اللاتي تحرش بهن، كما أرتبط أسمه بالعديد من جرائم الزنا والخيانة الزوجية بالقرية.
كما كان "بانيب" لصًا محترفًا، إذ عُثر على الكثير من المسروقات في منزله، لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجرأ على سرقة "كتابين عظيمين" يحتويان على فصول من كتاب الموتى من إحدى مقابر النبلاء، ولم يتوقف عند هذا الحد، فقد نبش مقبرة أحد النبلاء وسرق من أثاثها الجنائزي أشياء ثمينة، مثل الأريكة التي كان يرقد عليها المتوفى، حتى الأدوات التي استخدمها في مقبرته كانت مسروقة بالكامل من مقابر الملوك، مما يدل على جرأته النادرة وانتهاكه للمقدسات.
اتُهم "بانيب" بسرقة أداة لكسر الحجارة، ورغم البحث عنها لمدة شهرين، ورغم أنه أقسم أمام المحكمة بأنها ليست بحوزته، اتضح لاحقًا أنه أخفاها خلف حجر كبير. ومن ضمن سرقاته المتكررة كان يرسل أحد عماله لقطع وسرقة الأحجار من سطح معبد الملك "سيتي الثاني" يوميًا، ليستخدمها في بناء أربعة أعمدة داخل مقبرته الخاصة.
سوء معاملة العمال والنزاعات الشخصية
كان "بانيب" يُتهم كثيرًا بسوء معاملته لعماله وتسلطه عليهم واستغلاله لهم، كان يحوّل عماله باستمرار إلى المساءلة القانونية بطرق مختلفة لأسباب شخصية، وليس لتقصيرهم في عملهم، على سبيل المثال، قام برمي الحجارة على مجموعة من العمال خرجت ليلًا للتسلية، ثم حولهم للتحقيق، مع أنه لم يكن وقت العمل.
كما كلف شخصًا يُدعى "نب نفر" بالعمل في معبد آمون لإطعام الثيران صباحًا ومساءً، مع العلم أن "نب نفر" كان معروفًا بعداوته لـ "بانيب" وبسوء معاملته لكل أفراد أسرته، وقد سجلت السجلات القضائية العديد من النزاعات والشكاوى بينهما، وقد عانى ولدا "نب نفر" من هذه الكراهية وورثا العداوة بعد وفاة والدهما، خاصة الابن الأكبر "نفر حتب" الذي خلف والده في عمله.
حاول "بانيب" قتل "نفر حتب"، حيث ذكر في التحقيقات أنه ركض وراءه وأغلق الأبواب، ولكن "نفر حتب" تمكن من الهرب مستخدمًا حجرًا لكسر الباب، تدخل عدد من عمال الجبانة لحمايته، وشهدوا معه أمام المحكمة، قائلين إن "بانيب" قال أمامهم "إنه سوف يقتله في الليل".
كما أنه في أحد الأيام، قام "بانيب" بجلد تسعة من العمال ظلمًا، مما دفع "نفر حتب" للتبليغ عنه للحاكم، الذي عاقبه على هذا الفعل. لكن من الواضح أن "بانيب" أفلت من العقاب، ويبدو أنه عاش في سلام ولم يُعاقب على جرائمه.
رنا التونسي
باحث دكتوراه فى التاريخ والأثار المصرية القديمة بكلية الآداب جامعة طنطا
رئيس لجنة البحوث والدرسات الآثرية بحملة الدفاع عن الحضارة، نائب رئيس الحملة
بردية salt 124
د. رنا التونسي