السيد فتحي عبدالكريم الشطوري، اسم قد لا يكون مألوفا للبعض، لكنه يحمل في طياته قصة نادرة في عالم الإرادة والإبداع. ولد بظروف خاصة، لكنه لم يستسلم لها، بل حولها إلى دافع للنجاح. من إمام مسجد إلى كاتب درامي وسيناريست حصد الجوائز، يمثل فتحي نموذجا ملهما يرفض الاستسلام.
موضوعات مقترحة
في قلب صعيد مصر، وتحديدا من قرية شطورة مركز طهطا بمحافظة سوهاج، ولدت حكاية إرادة تتحدى الإعاقة، وموهبة نمت في قلب المعاناة. بين صفحات الطفولة الصعبة، والتحديات المجتمعية، وتقاليد الصعيد الراسخة، شق السيد فتحي عبدالكريم طريقه.. في هذا الحوار نفتح صفحات رحلته التي بدأت من كراسات المدرسة ورسوم الطفولة، إلى جوائز أدبية وكتابات إذاعية.
هو يعمل حاليا إمام مسجد بالدرجة الأولى بوزارة الأوقاف. وتعرف قريته بأنها بلدة العلم والعلماء، حيث إن نسبة كبيرة من أبنائها من الحاصلين على الشهادات العليا وأساتذة الجامعات وغيرهم من أصحاب المهن المرموقة، وقد ولد بإعاقة جسدية، حيث ولد بالكفين بدون أصابع. في ذلك الوقت، أصيبت أسرته بالحزن على مصيره: كيف سيعيش ويتعلم ويأكل، وغيرها من الأمور الحياتية؟ مع تقدمه في السن، بدأ والده في تعليمه الكتابة، وأوكل الأمر إلى مدرسة، وهي جارته في نفس القرية، حيث علمته أن يمسك القلم بكلتا يديه، وبدأ يتعلم الكتابة بالفعل، وأصبح متمكنا من إمساك القلم. وبعد أن تعلم الحروف الأبجدية قراءة وكتابة، التحق في فترة لاحقة بالمدرسة الابتدائية.
التحق السيد فتحي بالتعليم الأزهري، وكان من المتفوقين في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وكان موهوبا في مادة الرسم خلال هذه الفترة. وكانت كراسة الرسم الخاصة به موضع إعجاب المدرسين والموجهين، بجانب تفوقه العلمي، ففي الشهادة الإعدادية كان الأول على محافظة سوهاج.
في المرحلة الثانوية كانت هناك مشكلة؛ فبطل قصتنا كان يفضل المواد الأدبية رغم تفوقه في المواد العلمية، لكن والده كان يريد أن يلحقه بالقسم العلمي حتى يصبح طبيبا، وهذا كان ضد رغبة السيد فتحي، لكنه في النهاية انصاع لرغبات والده. وكان الأول على مستوى المعهد في الصفين الأول والثاني الثانوي، ولكن في الصف الثالث الثانوي بدأت تراوده بعض الشكوك: ماذا سيحدث لو التحق بكلية الطب؟ هل ستكون الدراسة والعمل كطبيب ملائمين لظروفه؟ وكان السؤال الذي يراوده دائما: "هل المرضى سيذهبون لطبيب من أصحاب القدرات الخاصة أم لطبيب سليم؟" كان كل ذلك تفكير مراهقين، بحسب وصفه.
لكنه اتخذ قرارا غريبا، وقرر أن يدخل الامتحانات وألا يجيب بشكل كامل، رغم معرفته بكل الإجابات. وفي عام 2001 حصل على 85% في الثانوية الأزهرية، وهو مجموع كان يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة، وهي كانت رغبة والده. وعندما رفض، طلب منه والده الالتحاق بكلية اللغات والترجمة، لكنه رفض أيضا، إذ كانت ميوله تتجه نحو مجالات الإعلام والشريعة. ثم التحق بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة وتفوق فيها، وبعد تخرجه عين إماما لأحد المساجد. هذا فيما يخص الحياة المهنية والدراسية.
أما موهبة الكتابة فقد بدأت معه في سن مبكرة، وتحديدا عندما كان في نهاية المرحلة الابتدائية، حيث كان يحضر الكراسات ويكتب فيها القصص المصورة. فهو في الأساس يعد موهوبا في الرسم، فكان يرسم ويكتب قصة أسفل الرسم، وكان هذا يلاقي الإعجاب من الأهل والأصدقاء والمعارف. وهنا تذكر الدور المهم لوالده، الذي كان يساعده في تنمية مواهبه، ويوفر له دائما الأدوات من كراسات وأقلام وغيرها، وكان دائما التشجيع له على كتابة القصص، سواء كانت مصورة أم لا. وبعد انتهاء المرحلة الإعدادية، نحى السيد فتحي الموهبة جانبا، وبدأ الاهتمام بالدراسة والحياة العامة بشكل أكبر.
وبعد تخرجه وتعيينه في وزارة الأوقاف، بدأ البحث مجددا عن مواهبه القديمة، مثل كتابة الشعر والقصص والرسم، لكنه ركز أكثر على الموهبة الرئيسية، وهي تأليف القصص، حيث استحوذت بشكل كبير على اهتماماته. وانطلق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات الأدبية، وبدأ يكتب للمنتديات قصصا قصيرة جدا، وهي عبارة عن 3 أو 4 أسطر مركزة. كان ذلك في عام 2014، حيث حصل في منتدى أدبي على الجائزة الأولى، وكرم أيضا من اتحاد كتاب مصر قسم الشباب في العام نفسه. وكانت هذه أول مسابقة وأول تكريم وأول جائزة.
أما أول كتاب مطبوع له، فكان بالمشاركة مع مجموعة من الأدباء العرب، وشارك فيه بمجموعة من القصص القصيرة. وهناك كتاب آخر مطبوع له. لكن هناك شيئا آخر خطفه من القصص، وهو كتابة السيناريو السينمائي. بدأ السيد فتحي في القراءة عن كتابة السيناريو، وأعجب بطريقة تحويل الورق إلى عمل يمكن مشاهدته، فبدأ في كتابة السيناريو وبدأ يشارك في مسابقات، وكتب سيناريو لأحد القصص القصيرة وشارك به في مسابقة "همس للأدب والفنون"، وكان ذلك في عام 2020، وتم تكريمه في دار الأوبرا المصرية.
في الوقت الحالي، لدى السيد فتحي سيناريوهات تحولت إلى أفلام قصيرة على اليوتيوب، خاصة للأطفال. فهو مهتم كثيرا بالكتابة للأطفال، خصوصا في الأمور التربوية، والقيم، وحب الوطن. وله أفلام قصيرة في مصر، والأردن، وفلسطين، والمغرب، حيث تم نشرها من خلال قنوات يوتيوب ومنتديات في هذه الدول.
خلال رحلته، واجه السيد فتحي مشاكل عديدة، منها المجتمع الصعيدي، الذي رغم المواهب المنتشرة فيه، إلا أنه ينظر للتأليف والكتابة على أنها "عيب"، أو أن هناك ما هو أهم منها، مثل "أكل العيش". فعندما يكتب قصصا ويعرضها على الأهل والجيران، يكون رد الفعل "باهتا": "جميل ما تكتبه، لكن ما الفائدة؟" في النهاية، هو "كلام قصص وكلام فارغ"، بحسب رؤيتهم. لكن هذا غير الواقع، فالقرآن الكريم استخدم القصص في العظة والعبرة. المشكلة الثانية التي واجهته كانت تكلفة طباعة القصص، وفرص الشباب في تقديم أعمال جديدة للقنوات.##
ويرى السيد فتحي أن البيئة في الصعيد مليئة بالقصص والحكايات. فهو يحب القصص الواقعية، ولديه جملة كتبها في مقدمة قصة له، وهي: "في حياة الناس الواقعية قصص هي أروع مما أبدعه خيال المؤلفين". فهو يرى أن حياة الناس فيها قصص رائعة للموعظة وتحفيز الهمم. وأغلب القصص التي كتبها استمدها من الحياة المحيطة، منها قصة عن السيدة المصرية واسمها "الجدعة"، ومثال على ذلك حماته، التي توفي زوجها وتركها تربي 5 أطفال. كافحت من أجلهم رغم أنها لم تكن تملك شيئا، وعملت في مهن الرجال حتى علمتهم جميعا. كتب قصتها ووضع لها عنوانا هو "مصرية". وهو يؤكد أن كل قصصه تعبر عن الواقع المحفز للإنسان المصري الذي يتحدى المستحيل. ومن بين تلك القصص "همم"، التي حصلت على جائزة، وهي ترصد قصة وحياة السيد فتحي.
بطل قصتنا لديه حلم، وهو أن يكتب للإذاعة المصرية. ويؤكد أنه إذا عرض عليه الكتابة للسينما أو الإذاعة، فسيختار الإذاعة، فهي بالنسبة له عشق، وتعتبر أصل الحكايات. وهنا يعود بذاكرته إلى فترة الطفولة، عندما كتب مسلسلا إذاعيا، واستعار الكاسيت من جيرانه، ووزع الأدوار على أبناء الجيران، وتقمص هو دور المخرج والمؤلف في نفس الوقت، وسجلوا حلقة إذاعية كاملة.
يؤكد السيد فتحي أن أستاذه في الكتابة هو نجيب محفوظ، لكن أستاذه الذي تعلم منه الكثير هو الراحل أسامة أنور عكاشة، الذي يتميز بقدرته على الغوص في أعماق الشخصيات في كل أعماله، مثل "الرايا البيضا" و"ضمير أبلة حكمت"، فهو يغوص في الشخصية ويخرج مكنونها، ولذلك يعتبره أستاذه الذي لم يلتقِ به.
ومن ضمن الأمور التي توقف عندها السيد فتحي طويلا، رواية كتبها عن جده وأسماها "شيخ الغفر". فجده كان شيخ الغفر، وكان رجلا صاحب حق ويقيم العدل تحت راية الشرطة المصرية، وكانت البلد كلها تحبه. وعلى الجانب الاجتماعي، كان لديه سبع بنات. وهنا ناقش فكرة هذا الرجل صاحب الهيبة والشهامة، وكيف تغلب على العادات وعلم البنات. وهو يتمنى أن تقدم هذه القصة كعمل تليفزيوني، فالشخصية الصعيدية ثرية، ولم تقدم في الدراما بالشكل المطلوب.
ويتمنى أن تقدم الشخصية في عمل تليفزيوني كما هي، بواقعها الحقيقي، سواء كانت الشخصية لرجل أو سيدة صعيدية. وهي شخصية معروفة على مستوى الوطن العربي، شخصية جادة، مثلما قال الأستاذ صلاح جاهين في أغنية داليدا: "رجالة جد وحمل جبال".##