تمتلئ ذاكرة الإنسان بالعديد من الأحداث التي مرت به طوال مشوار حياته، تطل بوجهها عليه من حين إلى آخر، تحمله معها لأبعد زمان ومكان، وكلما كانت ذات تأثير مبهج، لاقت منه سعادة واستحسانًا، تباغته فجأة بفيضان من حنين دون شرط أو استئذان، فيعلن لها في التو واللحظة عن استعداده لمصاحبتها؛ آملًا بذلك في الخروج من زخم عالم يضج بالاختلافات، عالم يعلن عن شططه وجنونه مفاخرًا، مصرًا على ذلك، ومُقِرًّا بالاستغلال.
تمر الأيام والأعوام فنكبر بفعل هرولة أيام وأعوام، إلا أن هرولتها تلك لا تمثل معيارًا أو مقياسًا تؤاخذ عليه قلوبنا التي تزداد وحشة وحنينًا لأيام مرت من قبل بسلام، كلما لمحنا هالة من الماضي، ثبتنا في أماكننا راغبين في فتح خزائنه المكتظة بالذكريات، نمسك بطرف خيطه متشبثين بحلوه ومره، نلمحه نقيًا دائمًا وإن كانت به بعض المنغصات، نتعجب من هذا وتملؤنا أنفسنا رغبة بالبقاء هناك -لكن هيهات- فقد كُتب علينا أن نراقبه من بعيد، وهذه هي حكمة الأيام.
أخذتني الذكرى معها لأسترجع أحداث ليلة من ليالي فصل الشتاء، وهناك أثر باقٍ لرائحة المطر أستنشقه بعد أن تعطرت وامتلأت به الأجواء، لقد امتصتها الأرض بالخارج، وبالتالي امتصت بقاياها بعض الجدران، وبرغم أن المنازل كانت قديمة، لكنها كانت مشبعة برحيق من الحب، مملوءة بالتراحم، توزع على الجميع الأمان والاهتمام.
وها أنا أرى على البعد هناك صورة "أمي" عليها رحمة الله، إنها تعد لنا طعام العشاء، تدعونا من خلال رائحته الزكية من دون كلام، تتعجلنا في سرعة الانتهاء من أداء واجباتنا المدرسية، تحفزنا وتزف إلينا البشرى بقرب موعد تجمعنا أمام شاشة التلفاز؛ هذا الجهاز الساحر العجيب الآتي من عالم مفعم بالسحر والجمال، ذلك الضيف الذي أقام بيننا في بيتنا، وأصبح بالنسبة لنا أولوية من الأولويات.
كنا نراه صديقًا لنا، جليسًا يجلب لنا معه المتعة والبهجة؛ ويثير الضحكات، وها هو صوت يتهادى لمسامعي، صوت آتٍ من الخارج ينادي: "السهرة بدأت يا ولاد؟" إنها "جدتي" رحمة الله عليها بصوتها الحاني المألوف الذي يتردد في المكان، فجدتي كانت مقيمة معنا في الدور الأرضي بمنزل العائلة الكبير، وكانت تواظب باستمرار على مشاهدة السهرات معنا خاصة في عطلة نهاية الأسبوع.
نلتف من حولها ونسعد بوجودها، وسعيد الحظ منا من تهيئ له الظروف فرصة الالتصاق بها ووضع رأسه على صدرها الحاني، ليحظى بتلك اللمسات الحانية التي تنطق بالحب والحنان، يبدأ العرض ويعم الهدوء المكان، وإن أردنا الحديث معًا يكون حديثنا همسًا، هكذا تعلمنا، هكذا تربينا، فقد كنا نجلس ونشاهد ما يعرض وكأننا في إحدى صالات عرض دور السينما، نتابع دون ضجيج ونجيد الاستماع لما يقال.
وها هي حالة الاندماج قد اكتملت، وها هي أمي تمر من بيننا حاملة معها أطباقًا بها بعض الساندويتشات، نتناولها من يديها ناظرين إليها بكل حب وامتنان، شاكرين لها كل مجهود تبذله من أجل إسعادنا ورسم البسمة على شفاهنا، ثم تمر علينا مرة ثانية وهي تحمل صينية بها أكواب من شاي بالحليب، وأكواب أخرى تحتوي على مشروب الكاكاو الساخن ليدفئ أجسادنا في ليالي الشتاء الباردة، وهنا تكتمل قطع الفسيفساء الفريدة مكونة بعنوان.. "الأسرة وفنون الاحتواء".
تنهمر من بعد هذا فيضانات من الأسئلة، نوجهها بأدب للكبار كلما شاهدنا مشهدًا يستحق السؤال أو الاستفسار عنه، بادرنا بذلك رغبة منا في التزود من المعرفة وحب الاستطلاع، نتناقش ونتجادل -لكن- يظل الاحترام باقيًا بيننا، يتبعه رضوخ تام للصمت تبعًا لتوصيات الكبار، مع وعد منهم بالإجابة عن تساؤلاتنا في وقت لاحق، فنمتثل للأوامر في الحال، نطيعها دون شكوى أو إبداء أي شعور بالاستياء.
كنا نبدع في تقمص الشخصيات، نمارس بحرفية في لعبنا بعض الوظائف التي كنا نتمنى أن نزاولها في المستقبل، فكان من بيننا الطبيب والمهندس ومذيع التليفزيون والمعلم وغيرها من المهن التي كانت تطاردنا بتفاصيلها في عالم الأحلام، كلها أحلام تنتظرنا في علم غيب الله، لا ندري ما الذي ستكتبه لنا الأقدار منها، ولا نعلم ما ستخطه لنا يد الأيام.
إن الخيال وتنميته لدى الصغار لا يجب أن يخيفنا على الإطلاق، فكل الأمنيات التي تحققت كانت في البداية قطعًا من خيال، كل النجاحات التي ظهرت وطفَت على السطح كانت نابعة من وحي خيال، كانت حلمًا بسيطًا دفع صاحبه للتقدم من أجل تطوير الذات، حولت مستحيله إلى ممكن، وقلبت سراب طريقه إلى حقيقة وواقع ملموس.
اسمحوا للخيال أن ينساب ويتسلل لعقول وقلوب أطفالكم، افتحوا له الأبواب ولا تخشوا شيئًا، فكل مستحيل مهزوم أمام إرادة وإيمان بقدرة الله، امنحوهم الحق في إثبات الذات، ساعدوهم على مصاحبة الخيال، عاونوهم على الحفاظ على رصيدهم من الذكريات.