ازدحام عيادات الطب النفسي بالأطفال من مختلف الأعمار أصبح ظاهرة ملحوظة يؤكدها ما جاء في آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية وهو أن طفل من كل 5 أطفال يعاني من أحد الاضطرابات النفسية.
موضوعات مقترحة
حكايات من الواقع
تروي والدة إياد أنها اكتشفت إصابته باضطراب "طيف التوحد" بعد مشاهدة فيديو على السوشيال ميديا يوضح العلامات المبكرة منها رفرفة الأيدي، والسير على أطراف الأصابع والمبالغة بفتح وغلق الأبواب والدوران حول النفس، حب الروتين، ونوبات الغضب الشديد عند تغيير أي شيء روتيني، وذلك بخلاف عدم قدرته على إدارة حوار وقد تخطى الـ3 سنوات.
وتابعت: وقتها استرجعت الكثير من المواقف وأدركت أن طفلي مصاب باضطراب طيف التوحد وقررت الذهاب للطبيب النفسي.
أما والدة رانا عانت من التبول اللاإرادي بسبب الخلافات الأسرية التي عايشتها في المنزل، فقد لاحظت إن ابنتها في السادسة من عمرها تتبول ليلا على الفراش أو وهي جالسة تلعب أو تشاهد التليفزيون، كانت تعاقبها وتضربها إلى أن ازدادت حدة الأمر وربطت الأم بين ما حدث لابنتها والخلافات الزوجية التي تشهد عليها الطفلة.
يختلف الوضع مع والدة مالك ذلك الطفل الذي يبلغ من العمر 8 سنوات؛ حيث تعرض لصدمة نفسية بعد تعرضه للتنمر والعنف من أقرانه عليه.
تزايد الحالات وتخصصات جديدة
يفسر ما سبق الدكتور علي النبوي أستاذ الطب النفسي قائلا: " اليوم نجد حالات كثيرة تذهب للأطباء النفسيين؛ مما جعل جميع أقسام الطب النفسي في مصر تنشئ «وحدة خاصة بالأطفال»، وذلك لكثرة الحالات.
ويضيف أن الأعداد كبيرة من حالات فرط الحركة وحالات التوحد وحالات التبول اللاإرادي وحالات تلعثم الكلام.
كيف يظهر الاكتئاب عند الأطفال؟
ويؤكد الدكتور علي النبوي، إلى أن الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا بين الأطفال، لكنه لا يتجلى بنفس الصورة التي يظهر بها عند الكبار. فبدلًا من الحزن الواضح، قد يظهر الاكتئاب عند الطفل في صور مختلفة مثل: التبول اللاإرادي، التبلد داخل الفصل الدراسي، أو التلعثم في الكلام.
دور الأسرة في علاج الاضطرابات النفسية عند الأطفال
يوضح الدكتور علي النبوي أن العلاج النفسي للأطفال يبدأ أولًا من فهم خلفية الأسرة وطبيعة العلاقة بين الوالدين، فالصحة النفسية للطفل هي انعكاس مباشر للبيئة التي ينشأ فيها.
ويضيف أن من أهم أساليب العلاج المستخدمة العلاج السلوكي؛ حيث يعتمد على مبدأ الثواب والعقاب، وتشجيع الطفل على السلوكيات الإيجابية مع تجاهل أو معاقبة السلوكيات السلبية بشكل معنوي.
ويستطرد هناك قطاع آخر من الأمراض النفسية الخاصة بالأطفال مثل علاج فرط الحركة، ونقص الانتباه والتوحد، وهذا يركز على تهدئة الطفل وتوجيه طاقته نحو أنشطة إيجابية عبر تدريبات تهدف إلى زيادة التواصل الاجتماعي.
وواصل كما يوجد أيضا علاج انحرافات السلوك مثل العدوانية أو الكذب أو السرقة، ويعتمد فيه الأخصائي النفسي على تقنيات الثواب والعقاب لتصحيح السلوك. هذا بجانب العلاج الدوائي؛ حيث توجد أدوية حديثة آمنة وفعّالة، تساعد على تحسين جودة حياة الطفل دون آثار جانبية تُذكر.
الدكتور علي النبوي
طبيعة الاضطرابات النفسية عند الأطفال
يشير الأطباء إلى أن الطفل مرآة للأسرة، وأن عقلية الأطفال اليوم أصبحت ناضجة أكثر من اللازم، مما يضيف أعباء نفسية جديدة.
ويتفق معه الدكتور إيهاب عيد، أستاذ الصحة العامة والطب السلوكي للأطفال والمراهقين موضحًا إن تقدم الوعي وتغير الصورة الذهنية عن الماضي جعلا الكثير من الأسر تلجأ إلى العلاج.
اقرأ أيضا:
حيل فعّالة تجعل الأطفال يقبلون الأطعمة الجديدة
«استشاري الطب النفسي»: كيف تغير الحروب الحمض النووي للأطفال؟
أسباب الأمراض النفسية عند الأطفال
و يشير الدكتور إيهاب عيد، إن المجال في تقدم مستمر وهناك أدوات كثيرة يتم بها تشخيص الاضطرابات السلوكية ووصلنا إلى أن هناك أمراض كثيرة تبدأ أثناء مرحلة الطفولة لو تم تداركها منذ البداية لما وصلنا لما نحن عليه الآن.
ويوضح عيد أن هذه الأمراض مثل أمراض الفصام، والاكتئاب المرضي الشديد، فرط الحركة، مضيفًا أن الأشخاص الذين لايتحدثون ولا يتفاعلوا كما ينبغي ممكن أن يكون لديهم اضطراب طيف توحد منذ الطفولة وكثير من الأمراض مثل الوساوس القهرية وصولا بمص الأصابع، قضم الأظافر، الكذب، السرقة والتبول والعادات الجنسية الغريبة والبربشة والجز على الأسنان.
يتابع إيهاب عيد من الممكن أن يكون سبب المرض النفسي "تروما" للطفل أثناء الولادة نتيجة للف الحبل السري حول رقبة الطفل أو ضغط الجفت على رأسه، الضغط على مخه أثناء الولادة الطبيعية.
يكمل إيهاب عيد، وبعد ولادة الطفل تأتي متلازمة هز الطفل "الهشتكة السخيفة" والتي قد تؤدي لنزيف في المخ، وحين يكبر الطفل قليلا ويتم ضربه على وجهه فذلك سيؤثر أيضا وقد يصبح سبب من أسباب مرضه النفسي.
يقول إيهاب عيد بعد كل ماسبق تأتي الأجواء البيئية السيئة التي يعيش فيها الأطفال مثل بيوت بها معاملة سيئة، اضطرابات في العلاقات بين الزوجين، التفرقة بين الأبناء في التربية، الأجواء غير الصحية التي يعيش فيها الأطفال نتيجة الاضطرابات سوء المعاملة، تعرض الوالدين لضغوط.
روشتة لتقليل المرض النفسي عند الأطفال
ويقدم الدكتور إيهاب عيد روشتة لتقليل المرض النفسي عند الأطفال وهو ينصح بالبداية مبكرا من خلال البيئة المحيطة من أول مراعاة اختيار شخص مناسب عند الزواج، مرورا بمتابعة الحمل جيدا وتجنب المشاكل الأسرية وأن يكون الآباء مضغوطين طوال الوقت. وإدراك أنه عدم إتباع الأب والأم وسائل تربوية سليمة وعدم استطاعتهم التعامل مع بعض ووجود المشاكل دائما يدفع تمنها الأطفال.
كذلك لفت إيهاب عيد إلى أهمية تأهيل الوالدين للتعامل مع الأبناء من خلال فكرة "البيرنت كوتشينج" وتعليم الآباء والأمهات أن يكونوا صالحين.
الدكتور إيهاب عيد
روشتة للآباء
وحول تقليل نسبة المرض النفسي عند الأطفال يقدم الدكتور جميل صبحي استشاري الأمراض النفسية والعصبية، ومرشد تربوي وعلاج أمراض الطفل روشتة للآباء يحذر من خلالها من الخلافات الزوجية حيث أنها تفقد الطفل الثقة في نفسه وتجعله لايشعر ويشعر بغربة، يشعر بالتوتر وحين يكبر الطفل يصاب بمرض القلق.
ويشير كذلك إلى خطورة العنف مع الأطفال بداية من الصوت العالي ووصولا بالضرب، موضحاً طبيعة الطفل هي تكرار الأخطاء ولابد من الاهتمام به ورعايته، حين يغلط الطفل أقوم بتوعيته ولا أضربه مهما حدث.
كذلك يلفت جميل صبحي إلى أهمية معرفة الفرق بين التربية والرعاية، فالرعاية هي تقديم الأكل والشرب والحفاظ على الصحة، وهذا لايفي باحتياجات الطفل فهو يحتاج للحب والحنان وأن يكون والديه مقربين منه.
الدكتور جميل صبحي
يتابع جميل صبحي، كذلك لابد من تجنب إهمال طفل على حساب الاهتمام بطفل آخر يعاني من مرض أو تعثر مثلا.
وينصح صبحي بوجوب مراعاة الحب غير المشروط و تشجيع أولادنا بالبحث عن الأشياء الجيدة التي يفعلونها و تجنب المقارنات .
وحول تأثير الموبايل والشاشات على الطفل يقول جميل صبحي : مشاهدة الموبايل متعة سلبية، وهذا يعطل نمو خلايا المخ، حيث أنه لكي تنضج خلايا المخ تحتاج لأنشطة إيجابية تفاعلية .