في مثل هذا اليوم 6 أغسطس 1945، أسقطت أمريكا أول قنبلة نووية في تاريخ البشرية أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي ظل التهديد النووي بين روسيا والغرب وأمريكا في الآونة الأخيرة، ومع إرسال أمريكا غواصتين نوويتين أمريكيتين بالقرب من روسيا، يا ترى هل ستتكرر نفس المأساة النووية؟ وفي مقال سابق ببوابة الأهرام عرضت مقالات أدبية عن "التهديد النووي" وما يُعرف بـ"أدب القنبلة النووية" (Genbaku-Bungaku)، وهذا النوع من التيار الأدبي تنفرد به اليابان عن أي دولة أخرى في العالم، ولفت أنظار العالم العربي والغرب وأمريكا لدوره في تأريخ وتوثيق مأساة القنبلة الذرية، لما مرت به اليابان من أهوال الحرب العالمية الثانية والدمار الشامل الذي ألحقته قنبلة هيروشيما وناجازاكي عام 1945.
والجدير بالذكر هنا أن قوات الاحتلال الأمريكي قد فرضت رقابة شديدة على المطبوعات والمقالات والأعمال الأدبية التي تصف وتصور الهزيمة والمأساة في أثناء وبعد الحرب. ويعود السبب في هذا إلى الأثر القوي الذي سببته القنبلة الذرية من دمار وتداعياتها على المجتمع الياباني والمجتمع الدولي، الذي استنكر وأدان ما تعرض له اليابانيون بعد الهجوم النووي الذري. فقد استطاعت الكاتبات اليابانيات بأسلوبهن الحسي ومعاني وكلمات وصياغة مختلفة عن الأدباء الرجال أمثال الكاتب "أويه كينزابورو" والأديب "إيبوسيه ماسوجي" والأديب "هارا تاميكي" والأديب "أودا ماكوتو"، في زمن لا يسمح لهن بالكتابة والتعبير بكل حرية مثل الأدباء الرجال، بتصوير هذه المأساة. وتأتي أهمية الاختيار من أن هؤلاء الكاتبات كانت الأم والمربية للأبناء الذين كبروا وشاركوا في الحرب، وماتوا في الحرب، وعاشت الأمهات مرارة الهزيمة أكثر من الرجال، وقُتل أبناؤهن في الحرب من خلال القصف النووي والذري. وتُرجمت أعمال هؤلاء الكاتبات سواء رواية أو شعر إلى العديد من لغات العالم، وحصلن على أرفع الجوائز الأدبية داخل وخارج اليابان، فكانت أعمالهن الأدبية تتميز بالواقعية والرمزية السلبية والإيجابية والسخرية والاستنكار في أسلوب أدبي متنوع، واستطعن إيصال سمات وخصائص هذا الأدب إلى الساحة الأدبية العالمية. فهؤلاء الكاتبات ساهمن بأعمالهن الأدبية في تطوير الأدب النسائي الياباني المعاصر المصور لأدب القنبلة الذرية على الساحة الأدبية اليابانية.
ومن هذا المنطلق، سأسلط الضوء على تجربة الكاتبة "تاكينشي هيروكو" (Takenishi Hiroko)، التي ولدت عام 1929 من القرن الماضي، ولا تزال على قيد الحياة. فهي أحد رواد الأدب النسائي الياباني المعاصر المصور للأدب الذري أو أدب القنبلة الذرية (Genbaku-bungaku) كما يطلق عليه مؤرخو تاريخ الأدب الياباني المعاصرون.
والكاتبة إحدى قاطني مدينة هيروشيما أي منطقة القصف الذري التي تعرضت لأول قصف ذري في تاريخ البشرية، فقد ساهمت الكاتبة بأعمالها الأدبية في تطور الأدب النسائي الياباني المعاصر المصور لأدب القنبلة الذرية على الساحة الأدبية اليابانية.
ففي يوم 6 أغسطس 1945، أي في أثناء القصف الذري لمدينة هيروشيما، تعرضت الكاتبة لوعكة صحية ألزمتها الإقامة بمنزلها وعدم الخروج للعمل بمصنع الذخيرة والأسلحة الذي كانت تعمل فيه. وعليه، أُنقذت من الموت المحقق بأعجوبة، لكن جميع زملاء العمل الذين كانوا يعملون معها بالمصنع تعرضوا للقصف الذري، وماتوا على الفور. فقد كانت هذه التجربة المؤلمة المريرة الدافع والمحرك الرئيسي لاتجاه الأديبة إلى النشاط الأدبي المعبر عن الهزيمة والمأساة والمرارة، والمعبر أيضًا عن موضوعات القصف الذري والتفجيرات الذرية، وموضوعات متضرري القصف الذري في مدينة هيروشيما.
بعد هذه التجربة المؤلمة التي عاشتها الكاتبة في أثناء الحرب في مدينة هيروشيما المتضررة، انتقلت إلى العاصمة طوكيو ودرست، وتخرجت في جامعة واسيدا بكلية التربية قسم الأدب الياباني. وعملت في كثير من مؤسسات النشر اليابانية المشهورة مثل مؤسسة "كاواديه شوبو" (Kawadeshobou) ومؤسسة "تشيكوما شوبو" (Chikumashobou)، ثم شاركت في تحرير العديد من الموسوعات الأدبية. وأُعجبت بأعمال الناقد والمفكر المشهور "موتواوري نوريناجا" (Motoori norinaga 1730-1801) من أشهر أدباء ومفكري عصر أيدو أي عصر "ما قبل الحداثة" (Kinsei) وكتبت العديد من المقالات والأعمال النقدية في المجلات الأدبية مثل "الأدباء" (Bungakusha) وغيرها من المجلات الأدبية والنقدية. فمن أشهرها العمل النقدي المعروف "إعادة التفكير في الكلاسيكيات اليابانية" (Oukan-no-ki-nihon-no-koten-ni-omou)، ونالت عن هذا العمل النقدي جائزة الكاتبة "موراطا توشيكو" (Murata toshiko-shou) عام 1964. وتعتبر أول جائزة أدبية تنالها الكاتبة. وفي العام نفسه رُشحت الكاتبة لجائزة الأدب النسائي الياباني" (Joryuu-bungaku-shou-kouho) عن العمل الأدبي "الطقوس" (Gishiki)، هذا العمل الذي يصور تجربتها الشخصية في مدينة هيروشيما، وذلك في أثناء القصف الذري. وبعد ترشحها هذا حظيت باهتمام الأدباء على الساحة الأدبية اليابانية، واُعترف بها كأديبة نسائية من أدباء أدب القنبلة الذرية. وبعدها توالى حصولها على الجوائز الأدبية، مثل الجائزة النسائية للأديبة "هيراباياشي تايكو" (Hirabayashi taiko)، وذلك عن العمل الأدبي "الأديبة الكلاسيكية شيكيشي نايشينو-يوفوكوموإن" (Shikishinaishinno. Youfukumonin)، وذلك عام 1973. وبعدها بثلاث سنوات أي عام 1976، نالت الأديبة جائزة "الفنون للوجوه الجديدة" (Geijutsu-senshou-shinnjin-shou)، وذلك عن العمل الأدبي "طائر الكراكي" (Tsuru).
ومن أهم الأعمال الأدبية النسائية الطويلة التي كتبتها الكاتبة تاكينشي هيروكو وأشهرها العمل الأدبي (مهرجان الأوركسترا Kangen-sai)، الذي يصور تجربتها الشخصية من القصف الذري الذي تعرضت له مدينة هيروشيما في أثناء القصف الذري في الحرب العالمية الثانية، وبؤس ومأساة القصف الذري. واستطاعت بأسلوبها الأدبي المتميز تصوير المعاناة الإنسانية التي جلبها القصف الذري، الأول من نوعه في تاريخ البشرية، ونالت عليه أشهر الجوائز الأدبية النسائية على الساحة الأدبية اليابانية وهي جائزة الأدب النسائي الياباني (Joryuu-bungaku-shou-kouho) عام 1978 من القرن الماضي، ويعتبر هذا العمل الأدبي من أشهر أعمال أدب القنبلة الذرية في الأدب المعاصر بجانب أعمال أدبية أخرى كُتبت عن أدب القنبلة الذرية.
ومن أشهر الجوائز الأدبية الأخرى التي نالتها الكاتبة "جائزة الأديب كاواباتا ياسوناري الأدبية" (Kawabata Ysunari-bungaku-shou) من أشهر الجوائز الأدبية على الساحة الأدبية اليابانية، وذلك عن العمل الأدبي "بنسيون الجندي" (Heitai-yado)، وكان ذلك عام 1981. وفي عام 1986 نالت الأديبة جائزة "ماينتشي للفنون" (Mainichi-geijutsu-shou) عن العمل الأدبي "ياماكاوا توميكو" (Yamakawa Tomiko). وفي عام 1994 نالت الأديبة جائزة "أكاديمية الفنون اليابانية" (Nihon-geijutsuin-shou). وأيضًا نالت جائزة "الكنز الشرفية من الدرجة الثالثة" (Kunsantou-zuihou-shou)، وذلك عام 2001. وبعدها بعامين أي عام 2003 نالت الكاتبة أرقى الجوائز الأدبية "جائزة نوما للفنون" (Noma-bungei-shou) عن العمل الأدبي "أغنية الإهداء" (Zoutou-no-uta)، وفي عام 2012 نالت الأديبة جائزة "الاستحقاق الثقافي" (Bunka-kourou-sha). وبخلاف الأعمال الأدبية التي نالت عليها الكاتبة العديد من الجوائز الأدبية، كتبت العديد من الأعمال الأدبية والمقالات الأدبية والثقافية.
وبذلت الكثير لإحياء الأدب النسائي الياباني الكلاسيكي (Joryuu-koten-bungaku)، فتعاونت مع رائدة الأدب النسائي الياباني الروائية "انتشي فوميكو" (Enchi Fumiko 1905-1986) بترجمة "حكاية جنجي" (Genji monogatari) من روائع الأدب النسائي الياباني الكلاسيكي المميز إلى اللغة اليابانية الحديثة، وذلك من أجل نقل روائع الأدب النسائي الياباني الكلاسيكي إلى الأجيال اليابانية المعاصرة.
وهذا دليل على إعجابها وولعها الشديد للأدب النسائي الياباني الكلاسيكي، لدرجة أنها كتبت عام 1967 العمل الأدبي "نظرية نقدية عن حكاية جنجي مونوجاتاري" (Genjimonogatari-ron)، قراءة نقدية حديثة لرواية جنجي. وقامت أيضًا بعمل قراءات حديثة للأعمال الأدبية النسائية الكلاسيكية مثل العمل الأدبي "رحالة اليابان كينوتسورا يوكي طوسا نيكي" (Kinotsurayuki.tosanikki nihon no tabibito) الذي أصدرته عام 1974 عن دار نشر "تانكوشا" (Tankou-sha)، وهو عبارة عن قراءة حديثة لأدب المذكرات في أدب اليابان الكلاسيكي. وعمل أدبي آخر هو "مذكرات في الأدب الكلاسيكي" (Koten-nikki) الذي أصدرته عام 1975 عن دار نشر "تشواو كورونشا" (Chuuou-kouron-sha). وقراءة حديثة لأدب النبلاء في العمل الأدبي "Ouchou-bungaku-to-tsukiau" عن دار نشر "Shinchou-sensho". وأيضًا قراءة حديثة لديوان المائة قصيدة لمائة شاعر " (Hyakuninisshu) في سلسلة عن رحلة في الأدب الياباني الكلاسيكي (Koten-no-tabi)، والتي صدرت عن دار نشر "كودانشا" (Koudan-sha) عام 1990. ونشرت أيضًا قراءة حديثة للديوان الشعري "ديوان الأشعار من القديم والحديث" (Kokin-waka-shuu) ضمن سلسلة قراءة في الأدب الياباني الكلاسيكي (Koten wo-yomu)، وصدر عن دار نشر إيوانامي (Iwanami-shoten) عام 1993. وغيرها من القراءات اليابانية الحديثة للأدب الياباني الكلاسيكي، من أجل إحياء الأدب النسائي الكلاسيكي الياباني.
وبعد هذا العرض المختصر وتسليط الضوء على رائدة من رواد أدب القنبلة الذرية، "الكاتبة تاكينشي هيروكو" (Takenishi Hiroko)، والتي لا تزال على قيد الحياة، أتطلع مستقبلًا أن ألتقي بها عند زيارتي لمدينة هيروشيما، لإجراء حديث أدبي ثقافي، لمعرفة بعض أسرار الكارثة النووية التي لحقت بها وبمدينتها هيروشيما، التي تغيرت ملامحها، وأصبحت من أجمل مدن اليابان خلال ثمانين عامًا.