خلف قضبان «الشاشة»

30-7-2025 | 13:01

كانت في عمق الأتوبيس عند ذلك الثقب الأسود الذي يسميه "التباع" دومًا "جوه فاضي" بينما هو ليس كذلك على الإطلاق.. تقف وقد اجتمع عليها حر الجو، وحر الأجساد المتلاصقة، وحر صراخ طفلها الذي لا يتوقف.. تهدهده دون جدوى بيد، وبالأخرى تتشبث بدعامة تفصل بين مقعدين.. أمامها يجلس شاب يضرب سماعتين حول أذنه، مطرقاً فوق صفحة هاتفه لا يغادرها، لكأنما أقسم ألا يرفع رأسه إلا عند محطة نزوله أو نزول الأتوبيس في ترعة.. أيهما أقرب.

في المقعد الخلفي شابة ترفع أمامها هاتفها المحمول وتخاطبه.. تخاطب المحمول أي نعم.. تفتح "لايف" وتتحدث غير عابئة بالقِدر الذي يغلي  بالجميع.. هواء لاهب خانق رطب يدخل عبر النوافذ يلفح الوجوه ولا يزيد العارقين الغارقين إلا تصببًا.. الوضع في إجماله كباطن بركان يعتمل بالحمم ويتهيأ للحظة الثوران.. وقد كان.

زغدت الأم الشاب الجالس أمامها مرة، ثم أخرى، تحاول، دون جدوى، لفت نظره واستنهاض نخوته، عله يرأف بصراخ صغيرها فيفسح لها مكانه، لم يرفع الشاب رأسه حتى.. فما كان منها إلا أن هوت بكفها على قفاه بكل ما أوتيت من قوة وغضب ويأس وحرارة و"استبياع" أمام عيون الركاب الذاهلة.. ساح دماغ الأم واحترقت أعصابها فنفثت لهيبها فوق قفا الشاب بهجوم لا إرادي كتنين يائس وليكن ما يكون.

لحظة من السكون هيمنت على الرؤوس بالصدمة.. قبل أن يصرخ الشاب في وجه المرأة متسائلاً أي جنون قد مسها.. فزِع الطفل لصياحه فانفجر بطبقة أعلى من العواء فوق البكاء.. اشتعل الموقف في أقل من دقيقة وزاده الحر اشتعالاً.. ارتفع صوت الفتاة بالمقعد الخلفي وقد يممت كاميرا هاتفها صوب الشاب تصوره وتسأل: كيف تتهجم على امرأة تحمل طفلها بهذا الشكل؟ سأرسل عبر هذا الفيديو بلاغًا للداخلية وسأفضحك على منصات التواصل؟

هنا جاء رد فعل الشاب على غير أي توقع.. لقد رفع هاتفه، هو الآخر، وأخذ يصور، بدوره، الواقعة مصاحبًا إياها بتعليقه: تلك المرأة ضربتني دون سبب.. وهذه الفتاة تتهمني دون دليل.. وهؤلاء الركاب شهود على كل ما حدث.. هذا بلاغ للداخلية ولن أتنازل عن حقي.

لوهلة.. بدت عربة الأتوبيس كعنبر مجانين مكتمل الأركان.. موقع تصوير بائس يمثل داخله الجميع أدوارًا ممسوخة أمام شاشات في كل يد، لا بشرًا يتبادلون أطراف الحياة، بؤرة من الهيستريا يرتفع فيها الزعيق والصياح والأداء المفتعل ويتداخل بلا معنى، جميع أطرافه يرفعون أسنة هواتفهم على أياديهم، يتبارزون بالتصوير، ويستابقون بكيل الاتهامات، ويتبادلون التهديد بإبلاغ الشرطة.. صمت الطفل مشدوهًا ودموعه فوق خديه، لكأنما يرقب ما ستنتهي إليه تلك العركة الجنونية الافتراضية.

تناهى الصياح لسائق الأتوبيس بينما كان يتبادل "فكة" 50  جنيهًا مع أتوبيس آخر بجانبه من خلال "التباع" بينما المركبتان تسيران على الهواء مباشرة.. لحظة واحدة تاه فيها انتباه السائق بين الخناقة و"الفكة" وحر الجو وحر الأجساد المتلاصقة كانت كفيلة بأن يميل ميلة واحدة على الأوتوبيس الملاصق له حتى اعتلى الأخير الرصيف المجاور وانقلب على جانبه.

ارتفع صرير "الفرامل" في شتى الأرجاء، وانسلت الجموع من كل فج تركض، كموتى أحياء في فيلم رعب، يحملون هواتفهم كالمشاعل، يتحلقون حول المركبة النائمة على جانبها كأشباه بشر، يصورون متدافعين لعل أحدهم يفوز باقتناص اللحظة الأكثر إثارة.. ومن ثم.. الأعلى مشاهدة.

دقائق وتفاعل حادث الأتوبيس على كل وسائل التواصل:
- بلاغ للداخلية: شاب يتهجم على امرأة وطفلها في أتوبيس
- سيدة تضرب شاباً فجأة داخل أتوبيس هيئة.. شاهد ماذا فعل
- سائقا أتوبيس يتزاحمان بتهور على الطريق وحدث ما حدث.. أين الداخلية؟
- اللحظات الأولى لحادث الأتوبيس

تلك أحداث ربما لم تقع بحذافيرها.. لكن شبيهات لها سبق وإن وقعت ولم تزل.. عبر مئات الآلاف من المشاهد الحية تتواتر على هاتفك كل يوم، تطويها بطرف إصبعك سريعًا وتقفز لما بعدها، في "واقع افتراضي" موازٍ استغرقنا تمامًا، وسلبنا قدراً غير يسير من إنسانيتنا.. كيف تغيرنا إلى هذا الحد المخيف؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
المبعوث السامي «الحيواني»

ربما المؤلم، مع كل إهانة فجة تصدمنا في وجوهنا بواقعنا المرير، وتعايرنا بحاضرنا الأليم، أنها تضعنا أمام مرآة تفضح أقبح وجوهنا، وجه غطاه رماد المعارك والتشرذم