الوجه الأغبر في فرية غلق المعبر

28-7-2025 | 15:33

كمن ينفخ في قربة مثقوبة، تقول لفئة من الناس لا تتركوا عقولكم لتسيروا حفاةً دونها، انتبهوا لضمائركم مرةً واحدةً، كآخر غطاء لأوانٍ فارغةٍ أو مليئةٍ بالكراهية. 

ففي وقت يمر فيه الوطن والشرق الأوسط بمحنة كبرى، ربما هي الأكبر خلال القرنين الماضي والحالي، من سفك واضح للدماء وانتهاكات يندى لها الجبين وتتقطع الأوصال ويشهدها العالم كله، من قبل الكيان المحتل البغيض في حق أبناء فلسطين المحتلة، هذه الدولة العربية الشقيقة والجارة، التي كانت ولم تزل مصر بشعبها وقيادتها وحكوماتها على مدار التاريخ، الداعم الأول و"الحقيقي" لعدالة قضيتها، وسط عالمٍ يموج بصراع الأقطاب ومحاولات الهيمنة على مقدرات الشرق، في هذا الوقت العصيب الذي يحتاج إلى تكاتف الجهود وتكثيفها والدفع والضغط، لرفع الظلم عن أشقائنا ونصرتهم، تخرج أصوات مغرّضة وحملات مسعورة لتهاجم مصر التي هي درة الشرق ورائدة السلام، والتي أسهمت في تحرير الأوطان، وكانت ولم تزل رغم المحن التي تعبرها، السند والملاذ لأبناء الأمة، والتي قدمت أرواح جنودها فوق التراب الفلسطيني، ولا تزال تحتضن كل جهود المصالحة بين أبنائها، وتطلق المساعدات دون توقف حتى هذه الساعة، ومع ذلك تواجه اتهامات الزور والبهتان، التي تنم عن حقد أزلي وكره تاريخي وشعور بالنقص تجاهها، بأن مصر تغلق معبر رفح وتحول دون دخول المساعدات لأبناء غزة المنكوبين.

دعوة خبيثة وتحريض لمحاصرة سفارات مصر في الخارج، أطلقها شخص هارب من العدالة، يتنقل بين عدد من الدول الأوربية، دعوة غرضها الأساسي زعزعة الأمن الداخلي بغطاء بكائيات مزعوم على غزة، وهنا وجدت الجماعة الإرهابية المقيتة فرصة رأتها ذهبية لإزكاء مزيد من النار في الفتنة، وسارعت عبر أبواقها الإعلامية الكذوبة لترويج الأكاذيب التي لهث وراءها مخدوعون بألسنةٍ تكاد تأكل الثرى من عطش للغباء، في محاولات بائسة لتشويه الصورة الناصعة للمشهد المصري، والإمعان الواهي في تغييب دورها التاريخي، ذلك الدور الذي لم يقتصر فقط على دعم أشقائنا في الدم والعروبة بفلسطين المحتلة، ولكن على مستوى الوطني العربي والقارة السمراء، فكانت تلك الغصة في حلوق الأقزام، الذين مهما استطالوا وهربوا وتمددوا وحصلوا على التمويل من هنا وهناك فلن ينالوا من مصر، وسيبقون أقزامًا لا دور لهم في تاريخ البشر سوى التخريب ومحاولات تفتيت الأمم.

وعلى الرغم من أننا لسنا في معرض أي اتهام ذي شأنٍ يُذكر، ولسنا في أسواق مزايدة على واجب أزلي تجاه الوطن، لكن لعلها الضارة النافعة، لا أن نذكر بل نشير بوضوح ورصد بين لدور مصر المحوري في هذا الشأن، خصوصًا أن هذا الدور سياسيًا وإنسانيًا بحاجة إلى دعم ودفع، لا إلى تثبيط همم، فإن كان المشهد على أرض الواقع حقًا مؤسفًا أمام الإبادة المستمرة والتجويع والدفع للنزوح والاستمرار في الاستيطان، فذلك لأن قصورًا دوليًا واضحًا ودعمًا أمريكيا وبريطانيا وألمانيًا ومن دول أخرى حول العالم لا ينقطع، ولا يزال قائمًا للكيان المحتل. 

تلك القوى التي سارعت لنجدة ذراعها الأثيم في المنطقة في حربه مع إيران وصارت على أهبة الاستعداد للدفاع عنه، هي ذاتها التي تدعي الآن تأسيها على ما يحدث لأبناء غزة، وهي الضالعة في ضياعهم وشتاتهم، فها هو ديفيد لامي وزير خارجية بريطانيا يصرح بأنهم يأسفون لعدم قدرتهم على وقف أفظع الحروب في غزة، ويأملون في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وأن تجاهل إسرائيل موقف المجتمع الدولي بشأن غزة وصمة عار، ولا يمكن قراءة هذه التصريحات سوى أنها مضحكة وكفى. 

أما الدور المصري تجاه قضية الوطن الأخطر فقد أثمر تقدمًا على مستويات مهمة، وها هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعلن بأن فرنسا ستعلن رسميًا الاعتراف بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سبتمبر المقبل، هذه الخطوة التي تأتي تأكيدًا لتصريحه السابق عنها بعد زيارته مصر منذ ثلاثة أشهر، في إطار تحرك الدولة المصرية سياسيًا، تحركًا متزنًا وقويًا وثابتًا، بدأ بالإصرار الكامل حتى الآن برفض دعوات التهجير الساعية إلى محو الهوية الفلسطينية والقضاء على قضية العرب، وقد تجول ماكرون فى أعماق القاهرة، وزار العريش ومعبر رفح، واطلع على ما تؤديه مصر من جهود سياسية ودبلوماسية وشعبية على أرض الواقع، وقد التقى عددًا كبيرًا من الجرحى الفلسطينيين جراء الحرب القذرة، الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية، وأعلن بعدها أن بلاده قد تعترف بدولة فلسطينية مستقلة، وقد كتبت في هذه الزيارة الكاشفة للواقع  مقالا بعنوان " ماكرون «المصرى» يعترف بفلسطين". 

وقد فعلها وأعلن مجددًا عن تلك الخطوة، بل إنه أشاد أمس الأول بهذا الدور الفاعل والحقيقي لمصر، حين اتصل بالرئيس السيسي، وكتب: "بعد مرور ثلاثة أشهر على زيارتي الرسمية إلى مصر، أجرينا تقييماً شاملاً لتعاوننا الثنائي وتناولنا مطولاً الوضع الإنساني غير المقبول في غزة. 

إن استمرار عرقلة وصول المساعدات الإنسانية وتوسّع التدخل الإسرائيلي يخلقان خطراً غير محتمل بالمجاعة والنزوح القسري للسكان، لا يمكننا أن نقبل أن يموت المدنيون، ومن بينهم عدد كبير من الأطفال، جوعاً"، مؤكدا ضرورة إطلاق مؤتمر نيويورك في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من يوليو  الجاري، لإيجاد آلية جديدة في اتجاه التسوية العادلة والدائمة للنزاع على أساس حل الدولتين، كونه الحل الوحيد الكفيل بضمان السلام والأمن للجميع في المنطقة، وهو ما نادت وتنادي به مصر طوال الوقت حتى لحظتنا الراهنة.

المعبر الحدودي بوابتان، ومن الجهة المصرية لم ولن يغلق ولو لدقيقة واحدة، وجيش الاحتلال هو العائق عند معبر صلاح الدين على الجانب الفلسطيني، بإجماع الزائرين والمراقبين العرب منهم والأجانب، الذين عاينوا الموقف على الطبيعة، وسُجلت مئات التقارير الإنسانية، والقانونية التي حملت الاحتلال وحده المسئولية، ولم تترك مصر فرصة إلا وحاولت من خلالها إدخال مساعدات، ونجحت في ذلك كثيرًا، وفي يومي الأربعاء والخميس الماضيين، أي تزامنًا مع الهجوم المضلل والدعاوى الخبيثة، تم إدخال نحو 117 شاحنة بنحو 1500 طن من المساعدات الغذائية والطبية في أقل من ست وثلاثين ساعة، لتضاف إلى ما قبلها من آلاف الأطنان التي دخلت لأبناء غزة، ومنها ما تعرض لنيران الاحتلال، فلماذا لا يتساءل المغرضون عن أدوار الآخرين الذين لا يواجهون الاحتلال بإجباره على إدخال سفن إغاثة يجهزونها لتدخل بحرًا مثلا؟

على أية حال هو الواجب الذي حتمه التاريخ على مصر كأم للعرب وللدنيا، ولن تتخلى أبدًا عنه مهما حاول الأقزام، وقد كان البيان المصري صادقًا وواضحًا لكل من يريد أن يعي بأن مصر ستستمر في جهودها لرفع المعاناة عن أهل غزة، ووقف إطلاق النار، ونفاذ المساعدات الإنسانية، وبدء إعادة الإعمار، كما ستواصل جهودها لتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة وضمان تواصل الأراضي الفلسطينية، والبدء في عملية سياسية لتنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية وخطوط الرابع من يونيو لعام ١٩٦٧، وتحيا مصر، لتحيا فلسطين حرة، وتحيا أمة العرب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: