في زمنٍ تُقاس فيه بهجة الحياة أو تعاستها بعدد الإشعارات والتفاعلات على الشاشات، وُلِد إنسان جديد؛ إنه "إنسان الإنترنت"، ذلك الكائن الرقمي الذي يعيش نصفه في الواقع ونصفه الآخر في الفضاء الإلكتروني.
قبل ثلاثة عقود، "كان الزمان إنسانًا"، لكن منذ أن دخل الإنترنت حياتنا، لم يعد الإنسان كما كان، بل تغيرت عاداته، وتبدّلت علاقاته، حتى طريقة تفكيره "ما بقتش زي زمان"، مثلما شخّصها عبدالمنعم مدبولي حين غنى "طيب يا صبر طيب".
اليوم يستقطع الإنترنت من حياة الكثيرين نحو 5 إلى 6 ساعات يوميًا، وهذا الرقم يرتفع وفق التقديرات العلمية لأكثر من ذلك بين الأعمار من 16 إلى 35 عامًا. ورغم ما يوفره الإنترنت من فرص هائلة للمعرفة والتواصل، إلا أن الإنسان بات يواجه تحديات نفسية واجتماعية غير مسبوقة.
أول هذه التحديات التشتت العقلي وضعف التركيز، فقد أظهر باحثو جامعة كاليفورنيا في دراسة عام 2020 أن الاستخدام المفرط للإنترنت، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، يقلل من القدرة على التركيز العميق، ويزيد من الاعتماد على التصفح السريع للمعلومات، مما يضعف الذاكرة العاملة ويؤثر على الأداء المعرفي العام.
والأكثر غرابة، أن تظهر مشكلة العزلة الاجتماعية رغم كثرة "الأصدقاء الرقميين". ففي دراسة شاملة أجرتها جامعة هارفارد عام 2019 على 5 آلاف شخص، تبيّن أن الأشخاص الذين يعتمدون بشكل رئيسي على العلاقات الرقمية أكثر عرضة للشعور بالوحدة بنسبة 32% مقارنة بمن يفضلون التواصل الواقعي.
الإنسان في زمن الإنترنت متصل دومًا، لكنه يشعر بانفصال داخلي متزايد، ما يعني أن منصات مثل إنستجرام وفيسبوك خلقت واقعًا مزيفًا للجمال والسعادة والنجاح، ما أدى إلى تضخم ظاهرة مقارنة الذات بالآخرين. وقد ربطت دراسة من جامعة بنسلفانيا بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل والانخفاض في تقدير الذات وازدياد أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن "إدمان الإنترنت" بات حالة معترف بها، تؤثر على الصحة النفسية والنوم. فالإفراط في استخدام الأجهزة قبل النوم يؤثر سلبًا على إفراز هرمون الميلاتونين، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم المزمنة.
فلا أحد يخلد إلى النوم إلا بعدما يطمئن على حال العالم من حوله. وبعدما كانت حكايات قبل النوم قديمًا تُغذّي القيم وتمنح الأمان.. اليوم صارت وسائل التواصل الاجتماعي هي "المصافحة" الأولى والأخيرة قبل النوم، مزعجة وربما مُحزنة وسريعة ومليئة بالضوضاء البصرية، تسرق الوقت دون أن تمنح الحكاية أو الحنان. وهكذا بين الأمس واليوم، خسرنا شيئًا من السكينة، وكسبنا كثيرًا من التشويش.
ومع ذلك، ليس المستقبل مظلمًا، فلا يعني هذا أن الإنسان الرقمي محكوم بالضياع، بل إن الحل يكمن في "الوعي الرقمي". تشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المعتدل للإنترنت، عند توظيفه في التعليم والتواصل الإيجابي، يعزز الصحة النفسية ويزيد من الشعور بالرضا. كما أن مبادرات "الصيام الرقمي" باتت تنتشر في عدد من الدول، وتُظهر نتائج فعّالة في تحسين المزاج وجودة النوم.
خلاصة القول، إن إنسان زمن الإنترنت ليس مجرد ضحية لتقدم تقني، بل كائن يتشكل يومًا بعد يوم وفق اختياراته، وما يمليه عليه واقع الحال. فنحن من نحدد: هل نستخدم الإنترنت كأداة لتوسيع وعينا وتعميق علاقاتنا، أم نتركه يسحبنا إلى عزلة رقمية وواقع مزيف؟ لا شك أن مفتاح النجاة في هذا العصر ليس الانقطاع، بل الانضباط والوعي.