لأول مرة ما منكون سوا

26-7-2025 | 23:11

اليوم، يسقط قمر آخر من سماء لبنان، يغيب صوت عزف سيمفونية الحياة بين الفرح والوجع. زياد الرحباني، الابن، الموسيقار، الثائر، والصوت الذي حول الحزن إلى أغنية والسخرية إلى فن خالد، رحل عن عالمنا ليترك وراءه فراغًا لا يملأ قلب السيدة فيروز، بل في قلب كل من عشق فنه وصدقه.

لقد كان زياد امتدادًا لكِ يا جارة القمر، لكنه صنع عالمه الخاص؛ عالمًا يجمع بين جمال الألحان الرحبانية وجرأة السؤال.

لقد عاش زياد بين نارين: نار الحرب الأهلية والخيانات والمؤامرات التي مزقت بيروت، ونار الفوضى العاطفية التي عاشها في علاقاته. لكنه حول كل هذا الألم إلى موسيقى تسمع من القلب، إلى مسرحيات تحاكي الواقع، وإلى أغانٍ تبقى. كان صوته هو صوت جيل ضائع بين رصاص الحرب وصرخات الحرية، وكانت موسيقاه هي الملاذ الذي نبحث فيه عن ذواتنا وعن أحلامنا وانكساراتنا.

يا أمًّا تحملين كل هذا الجمال والوجع، كيف نعزيكِ؟ هل نذكركِ أن زياد لم يرحل حقًا ما دامت أغانيه تعزف في مقاهي الحمرا، أم نهمس بأن "بُكرا شو؟" صارت سؤالًا بلا إجابة؟

لقد كان زياد ابنك الأكثر تمردًا، والأكثر حنينًا. بدأ معك بلحن صغير في السابعة عشرة: "سألوني الناس"، وكأنه يحاول أن يملأ الفراغ الذي تركه مرض والده عاصي.

لم يكن زياد مجرد وريث لاسم عظيم، بل كان زلزالًا غيّر وجه الفن العربي. قدم لنا بيروت كما رآها: ضاحكة باكية، ساخرة متألمة. من "اشتقتلك" إلى "أنا مش كافر" التي صارت نشيدًا لكل من يحمل أسئلة أكبر من إجاباتها. كان يقول دائمًا: "الموسيقى لا تغني عن الموت، لكنها تُذكرنا بأن الحياة تستحق أن تعاش".

كان زياد رحباني يرى أن الفن ليس ترفًا، بل سلاح ضد القبح. في مسرحيته "بالنسبة لبكرا شو؟"، سخر من الحرب الأهلية اللبنانية بلغة تخلط الضحكة بالدموع، وكأنه يقول: "الضحك هو البكاء بصوت أعلى". كان يؤمن بأن الفن الحقيقي يجب أن يجرح ليشفى. في أغنية "أنا مش كافر"، حول الجوع إلى إدانة للظلم: "أنا مش كافر بس الجوع كافر".

عاش زياد الحرب الأهلية اللبنانية وكتب عنها بألم يخفي غضبًا صامتًا. في مسرحية "فيلم أمريكي طويل"، جسّد المستشفى النفسي كرمز للبنان، حيث يتحول الجنون إلى منطق والقتل إلى روتين!! قال يومًا: "الحرب علّمتنا أن الموتى يزدادون، والأحياء يقلّون".

علاقة زياد بالحب كانت كألحانه: متقلبة بين الشغف والنور والمرارة والحسرة. في أغنيته "ولعت كتير"، التي كتبها بعد انفصاله، حول الفشل العاطفي إلى نشيد عن الخذلان والفقد: "كان قلبي لعندك دليلي... واللي اكتوى بالشوق اكتوى".

حتى في علاقته بفيروز، الأم، كان الحب مشوبًا ببعض المناوشات. أغنية "كيفك أنت" بدت كحوار أمومي غاضب يعبر عن قلب غالبية الأمهات! فحوّل عتابك الأمومي إلى أغنية صارت حكاية كل أم وابن في هذا العالم؛ الأم التي تسأل والابن المسافر دائمًا: "عم بيقولوا صار عندك ولاد... وأنا مفكرتك براة البلاد!" وتحولت الأغنية إلى رمز لمعنى الحب غير المشروط!

اليوم يا عصفورة الشرق يا صوت الأوطان، أعرف أن العزاء مستحيل. أطلب من الله عز وجل اللطف بكما. بيروت اليوم تبكيك يا زياد، لكنها ستظل تغني أغانيك؛ لأنك علمتنا أن الفن الحقيقي هو الذي يحمي الإنسانية.

لم يكن زياد الرحباني مجرد ملحن أو كاتب مسرحي، بل كان فيلسوفًا يعبر عن الحياة بكل تناقضاتها عبر البيانو والكلمة. في أعماله، مزج بين السخرية والوجع، بين الحب والحرب، بين اليأس والأمل، ليخلق عالمًا فنيًا يشبه بيروت: جميلًا وحزينًا في آن واحد!

سألوني الناس عنك يا حبيبي 

كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا 

بيعز عليّ غني يا حبيبي 

ولأول مرة ما منكون سوا

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة