لا أحد يجادل بأن مصر والسعودية هما أعمدة الاستقرار والسلام وسط منطقة مضطربة، وتعملان على وضع الحلول للقضايا الإقليمية المعقدة.
ولقد تحملت العلاقة المصرية السعودية عبء القيام بمهمة "قوة الدفع الخاصة بالعمل العربي المشترك، وإيجاد الحلول لقضايا الإقليم المزمنة".
ويتفق الخبراء والنخبة العربية على أن العالم العربي لن ينجو من التحديات الصعبة إلا بالشراكة المصرية السعودية؛ ونظرًا للقوة الكبيرة التي تخلقها "الشراكة المصرية السعودية"، فقد تعرضت ولا تزال تتعرض لمحاولات مستمرة من دول بالإقليم لإبعاد الدولتين عن بعضهما.
وأحسب أن اللحظة الحرجة في المنطقة تفرض "نقلة عاجلة" في الشراكة الإستراتيجية بين مصر والسعودية، ومن الضروري أن تحمي النخب العربية هذه الشراكة الحيوية للأمن القومي العربي.
وقد حذر وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي من محاولات بث الفرقة والشقاق بين مصر والسعودية، لوقف جهودهما باتجاه إرساء السلام والاستقرار في المنطقة، مؤكدًا أن محاولات التفرقة أمر مستمر ومرصود منذ سنوات.
وقال في تصريحات تليفزيونية: "عندما تكون هناك محاولة للتقدم في ملفات معينة سيكون هناك تدخل من بعض القوى لمحاولة وأد قوة الدفع التي قد تنشأ من العلاقة المصرية السعودية."
ولقد تعودنا أن في لحظات الأزمات العربية تبرز جهود القاهرة والرياض، وهو ما شهدناه عندما تصاعد التوتر الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، حرص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على المجيء إلى مصر في أكتوبر 2024، وشهد الزعيمان عبدالفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان التوقيع على تشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، واتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، وتزامنت هذه النقلة مع تدفق استثمارات جديدة للمملكة في مصر.
ويصف السفير فوزي العشماوي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، العلاقات المصرية السعودية بـ"رمانة الميزان للإقليم العربي" في ضوء التطورات في المنطقة، وفي الوقت نفسه تتقارب الرؤى المصرية السعودية بشأن الحرب في المنطقة، ويقول سليمان العقيلي، الكاتب السياسي السعودي، مؤخرًا لـ"بي بي سي" إن "الرياض والقاهرة تجمعهما في الوقت الراهن مصادر اهتمام وتحديات مشتركة تجعلهما أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى."
ويحدد العقيلي ثلاثة تهديدات، الأول: "الوضع الخطير لأمن البحر الأحمر"، الذي أثر على قناة السويس، ويعطل النمو المرسوم للموانئ السعودية على البحر الأحمر، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية، والتهديد المشترك الثاني: "الحرب الأهلية في السودان، وهو ما قد يهدد أمنهما الإستراتيجي"، أما التهديد الأخير: فكما يرى العقيلي "أن كلا البلدين يشتركان في التخوف من التحركات الإثيوبية في القرن الإفريقي".
ويقول العقيلي: "من أجل التهديدات السابقة اشترك الجانبان في ثلاث مناورات عسكرية، بالإضافة إلى مناوراتهما المشتركة مع قوات أخرى، لا تخلو من رسائل إقليمية ودولية."
ومن ناحية أخرى يشهد التعاون الاقتصادي بين البلدين نموًا كبيرًا، وأكد رئيس مجلس الأعمال السعودي المصري، بندر العامري، بعد توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات السعودية في مصر، أن التعاون بين القطاع الخاص في السعودية ومصر نتج عنه اتفاقيات لضخ استثمارات بقيمة إجمالية 15 مليار دولار في مصر، تشمل قطاعات الطاقة المتجددة والصناعة والتطوير العقاري والسياحة، إضافة إلى استثمارات في القطاع التقني، بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلام سعودية.
وتعد السعودية ثاني أكبر شريك تجاري لمصر، حيث يقارب التبادل التجاري بين البلدين 12.8 مليار دولار في 2023، ويقول الدكتور وليد جمال الدين، عضو مجلس الأعمال المصري السعودي، إن السعودية هي المستثمر الأكبر في مصر.
أما عن العائد الذي سيعود على الجانب السعودي، فيقول مدحت نافع، خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل إن "السعودية في سبيل تحقيقها لرؤية 2030، تُنوّع الادخار بعيدًا عن الإنتاج الكربوني، لذلك ستكون حريصة على التوسع شرقًا وغربًا، والتوسع في أسواق كثيفة العمالة وفي الوقت نفسه كثيفة الاستهلاك".
وتدلل الأرقام على خطة السعودية، حيث حقق القطاع الترفيهي معدل نمو خلال 2021 بنسبة 101 في المئة، وساهم القطاع غير النفطي خلال عام 2023 بنسبة تقارب 50 في المئة، ومن المتوقع أن تزيد إلى نسبة 65 في المئة في نهاية العقد، بحسب نافع، ويتوقع الكثيرون مع مدحت نافع أن تشهد الفترة المقبلة استثمارات سعودية في مصر في مجالات "السياحة، والتطوير العقاري، ومجال الطاقة، البتروكيماويات، قطاعات الشحن والتفريغ واللوجستيات، والقطاع الزراعي، ويكتسب هذا القطاع ميزة نسبية بسبب القرب المكاني مع مصر بدلًا من الزراعة في إفريقيا؛ لأنه كان مستهدفًا من قبل شركة المملكة للاستثمار في توشكي أيام الرئيس مبارك".
ويبقى، في ضوء ما سبق، أن علاقات مصر مع دول الخليج بحاجة لآلية 6 زائد 1، وذلك بصورة مؤسسية راسخة ما بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، وأحسب أن نقطة البداية في تفاهمات محددة ونقلة عاجلة في الشراكة المصرية السعودية، وبوضوح لا بد من خريطة طريق للتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي العميق، وصولًا للدفاع المشترك بين مصر ودول الخليج بصورة مؤسسية اليوم وليس غدًا.