تحولات الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.. مآلات الإخفاق

22-7-2025 | 19:05

لم يكن الشرق الأوسط مجرد إقليم جغرافي في الإستراتيجية الأمريكية، بل ظل يمثل ساحة أساسية لإدارة النفوذ والمصالح الحيوية. منذ انتهاء الحرب الباردة، واجه صناع القرار الأمريكيون معضلة جوهرية: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار السياسي للمنطقة مع ضمان الهيمنة الأمريكية دون تدخل مباشر دائم؟ في هذا السياق، برزت فلسفتان متعاقبتان في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط:

الفلسفة الأولى: ملء الفراغ السياسي بالدين

نشأت هذه الفكرة في التسعينيات، حيث اعتُبر أن الإسلام السياسي المعتدل يمكن أن يكون صمام أمان اجتماعيًا وسياسيًا، يمنع الفوضى ويحول دون التطرف العنيف، ويُسهم في ضبط المجتمعات بعد تراجع المشروعين القومي واليساري.

الفلسفة الثانية: الفوضى الخلاقة

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 وصعود المحافظين الجدد، طرحت إدارة بوش الابن أطروحة جديدة تعتبر أن الاستقرار السلطوي هو بيئة خصبة للتطرف، وأن تفكيك الأنظمة قد يطلق "فوضى خلاقة" تعيد تشكيل المنطقة وتسمح ببناء نظم جديدة أكثر انفتاحًا وتوافقًا مع المصالح الأمريكية.

لكن المفارقة أن الفلسفتين لم تمثلا توجهين متناقضين، بل تعاقبتا وتداخلتا، خاصة مع موجات الربيع العربي، حيث تم توظيف الإسلاميين في سياقات الفوضى، ما أنتج وضعًا إقليميًا معقدًا وغير قابل للسيطرة.

1. ملء الفراغ السياسي بالدين

ظهرت فلسفة ملء الفراغ السياسي بالدين من رحم نظريات أمثال برنارد لويس وصامويل هنتنجتون، اللذين اعتبرا أن المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى قوى اجتماعية قادرة على تجسير الفجوة مع الأنظمة السياسية وضبط الحراك الشعبي. ومع أفول المشروع القومي، بدا الإسلام السياسي -خاصة جماعات مثل الإخوان المسلمين- خيارًا عمليًا لإدارة التوازنات.

أمثلة على ذلك:

التعاون الأمريكي مع الإخوان في مصر منذ عهد كارتر، واستمرار قنوات الاتصال معهم في التسعينيات.

احتواء حركات مثل حزب الله وحماس عبر صفقات تهدئة ووساطات سياسية.

الرهان على تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية كمثال على "الإسلام المعتدل" المتوافق مع النموذج الديمقراطي.

لكن هذا التوجه واجه أزمات مع تصاعد الأجندات الخاصة للجماعات الإسلامية، وتحول بعض الأطراف إلى العنف، ما جعل الرهان عليهم محفوفًا بالمخاطر.

2. الفوضى الخلاقة

أعلنت كونداليزا رايس صراحة سياسة "الفوضى الخلاقة" في خطابها الشهير بالقاهرة 2005، معتبرة أن الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط مسئولة عن إنتاج الإرهاب، وأن التغيير الجذري ضرورة.

أبرز تطبيقات هذه الفكرة:

بدأت قبل الإعلان عنها، وذلك مع غزو العراق 2003 وإسقاط نظام صدام حسين بهدف إعادة تشكيل العراق سياسيًا.

دعم حركات التمرد والمعارضة في سوريا وليبيا، وما أدى إليه ذلك من حروب أهلية.

تشجيع التحركات الشعبية في مصر وتونس واليمن في إطار دعم "التحول الديمقراطي".

غير أن النتائج جاءت عكسية في كثير من الأحيان:

تصاعد الإرهاب العابر للحدود بعد انهيار الدول.

نشوء قوى إقليمية معادية للسياسة الأمريكية، مثل التحالف المصري الخليجي بعد 2013.

صعود النفوذ الروسي والإيراني في فراغ السلطة.

3. التداخل بين الفكرتين

كشف الربيع العربي عن التداخل بين السياسات الأمريكية:

تم تشجيع الحراك الشعبي تحت شعار الديمقراطية، ما مثّل تطبيقًا للفوضى الخلاقة.

في الوقت ذاته، جرى دعم أو التسامح مع صعود الإسلاميين (كما في مصر وتونس) بوصفهم قوة سياسية منظمة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية.

أدى ذلك إلى نتائج متباينة:

في مصر، كان صعود الإخوان مدعومًا أمريكيًا ضمنيًا، لكن فشلهم في الحكم، وصدامهم مع الدولة العميقة أعاد ترتيب المشهد.

في سوريا وليبيا، تحالفت الفوضى مع الإسلاميين والجماعات المسلحة، ما أدخل البلاد في حروب طويلة.

في تونس، أدت التجربة إلى حالة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي انتهت بعودة النزعة السلطوية.

4. الفشل الإستراتيجي وتداعياته

مع نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، اتضح أن السياسات الأمريكية فشلت في تحقيق أهدافها:

فوضى العراق وسوريا وليبيا أسفرت عن تدمير دول وانتشار الإرهاب.

تحالفات إقليمية جديدة تحدت النفوذ الأمريكي، مثل محور مصر-السعودية-الإمارات.

صعود روسيا كلاعب إقليمي، خاصة في سوريا.

تراجع الرهان على الإسلاميين بعد صعود ترامب وانكفاء الإدارة الأمريكية على الداخل.

لقد شكلت فلسفتا "ملء الفراغ السياسي بالدين" و"الفوضى الخلاقة" معًا أدوات مزدوجة في يد الولايات المتحدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكن نتائجها الواقعية كشفت محدودية قدرة القوى الكبرى على التحكم بمسارات التغيير الاجتماعي والسياسي.

اليوم، تبدو الولايات المتحدة أمام واقع معقد:

أنظمة قوية استرجعت قبضتها (مصر مثلًا).

فوضى مزمنة في دول أخرى (ليبيا، سوريا، اليمن).

تمدد قوى إقليمية ودولية منافسة (روسيا، الصين، إيران).

تراجع الثقة الشعبية في النماذج الغربية.

إن قراءة هذه المسارات تؤكد أن محاولات "ملء الفراغ" أو "إعادة الهندسة الإقليمية" محكومة دائمًا بعوامل محلية وإقليمية لا يمكن تجاهلها، وأن التحولات الكبرى لا يمكن إخضاعها بالكامل للسيناريوهات الخارجية، مهما بلغت من التخطيط والدعم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: