عيادات طبية ذكية!

21-7-2025 | 14:24

في زمن تتزايد فيه التحديات الصحية، وتتناقص فيه الكوادر الطبية، تبرز الحاجة الماسة إلى حلول مبتكرة، ويبدو أن الحكومة وجدت ضالتها في الذكاء الاصطناعي، إذ أعلن رئيس الوزراء مؤخرًا عن نية الدولة إنشاء عيادات طبية ذكية بالإسكندرية، بالتعاون مع القطاع الخاص، على أن تُعمّم التجربة لاحقًا في حال نجاحها.

هذه المبادرة تثير تساؤلات حول قدرة الذكاء الاصطناعي على تعويض النقص في الأطباء وتحسين جودة الرعاية، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص الكوادر أو ضعف البنية التحتية.

عيادات الذكاء الاصطناعي لا تلغي دور الطبيب أو تحل محله، بل تعمل كمساعد ذكي، يقلّل من احتمالات الخطأ، ويُسرّع من خطوات التشخيص، والأمل في إنقاذ حياة لا يستطيع وحده الوصول إليها، خصوصًا في المناطق التي تعاني نقصًا في المتخصصين. هذه العيادات تعتمد على برمجيات وخوارزميات متقدمة لتحليل بيانات المرضى، وتشخيص الحالات، وتقديم توصيات علاجية دقيقة.

ومن الطبيعي أن نجد دولًا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والصين سبقت إلى هذا النموذج. ففي مستشفى "مايو كلينك" الأمريكية، تُستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي للتنبؤ بأزمات القلب بدقة تتجاوز 90%. ونجحت هيئة الصحة الوطنية البريطانية بالتعاون مع "جوجل" في الكشف المبكر عن أمراض العيون المرتبطة بالسكر بدقة وصلت إلى 94%. وفي الصين، هناك أكثر من ثلاثة آلاف عيادة ذكية، تخدم 400 مليون شخص، وقلّصت وقت الانتظار بنسبة 60%.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تقنيًا، بل أداة إستراتيجية لتحسين أنظمة الصحة. والدراسات تشير إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تقلل الأخطاء الطبية بنسبة تصل إلى 30%، وتُسرّع من تشخيص السرطان وأمراض القلب، ما ينعكس إيجابًا على فرص الشفاء.

وفي تطوّر مواكب للمشهد العالمي، كشفت جامعة "جونز هوبكنز" الأمريكية عن تجربة ناجحة لروبوت جراحي موجه بالذكاء الاصطناعي، نفّذ عملية استئصال مرارة بدقة شبه مثالية على خنزير، مع تدخل بشري محدود. هذه التجربة تفتح الباب أمام مستقبل جراحي أكثر دقة وأقل اعتمادًا على العنصر البشري في الإجراءات المعقدة.

والسؤال الآن.. هل تنجح هذه التجربة في مصر؟

الإجابة ليست بسيطة، فبينما تمتلك مصر عقولًا طبية متميزة، تعاني البلاد من هجرة كبيرة للأطباء، حيث تشير التقديرات إلى أن 60% من الكوادر المؤهلة تعمل بالخارج، وهذا يستدعي مبكرًا تمكين الاستشارات عن بُعد للاستفادة من هذه الكوادر المُهاجرة.

والنجاح مشروط بعدة عوامل: توفير بنية تحتية رقمية قوية، وتدريب الكوادر الطبية على استخدام الأنظمة الذكية، والأهم من ذلك وضع إطار قانوني وأخلاقي يحمي خصوصية المرضى وينظّم آليات العمل.

لكن الواقع يشير إلى فجوة في الاستعداد؛ فالتعليم الطبي في مصر لا يشمل غالبًا تدريبًا في الذكاء الاصطناعي أو حتى نظم المعلومات الصحية. كما أن معظم المستشفيات لا تملك بنية إلكترونية موحدة للملفات الطبية، ما يصعّب عمل الأنظمة الذكية.

خلاصة القول، ما بين عيادات الذكاء الاصطناعي في الإسكندرية وروبوت جونز هوبكنز الجراحي، يتضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل حاجة ملحة واستثمارًا إستراتيجيًا في مستقبل الصحة. التحدي الآن يكمن في التطبيق السليم، والتدريب الكافي، والرقابة الأخلاقية والتنظيمية لضمان أن يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد وعد إلى واقع يُنقذ الأرواح، شريطة ألا نعاني يومًا من مصطلح "السيستم واقع" بدلًا من "الطبيب غير موجود"!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: