حركة "حسم" الإرهابية ورهانات الفوضى

20-7-2025 | 16:41

لا يمكن فهم ما حدث في بولاق الدكرور أمس بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فحركة "حسم" الإرهابية واجهة مسلحة لتنظيم الإخوان، الذي تحول إلى "مقاول إرهاب" يعمل لصالح أطراف تحتضن قيادات الجماعة وتدرب عناصرها في ليبيا وسوريا، تقدم لهم الغطاء السياسي والإعلامي، بينما تغض الطرف عن تحركاتهم عبر الحدود.

السؤال الأعمق هنا هو: هل الإرهاب فعل أيديولوجي أم هو نتاج تحالفات سياسية عابرة للحدود؟ الواقع يجيبنا بأن الإرهاب ابن شرعي للفرص السياسية. فما كانت "حسم" لتبدأ في التحرك الآن لولا وجود ظهير إقليمي يشجعها، ويعطيها الوهم بأن "الانقلاب" على الدولة المصرية ممكن. لكن الأكيد أن الدولة المصرية، بقدرتها الأمنية والاستخباراتية، تعرف كيف تحول هذه المحاولات إلى مجرد "أكشن سينمائي" ينتهي بجثث في الشارع.

الاستهداف الاقتصادي والحرب النفسية
الجزء الأكثر خطورة -في بيان وزارة الداخلية- هو الحديث عن استهداف "المنشآت الاقتصادية". هنا لا نتحدث عن مجرد تفجيرات عشوائية، بل عن حرب نفسية واقتصادية تهدف إلى تخويف المستثمرين، وإسقاط صورة مصر كدولة غير مستقرة. وهذا بالضبط ما تريده بعض الدول، وهو تحويل مصر إلى ساحة حرب حتى ينهار اقتصادها، ثم تتحول إلى فريسة سهلة للنهب.

لكن الخطة تفشل؛ لأنها تتعامل مع الشعب المصري كـ"ضحية"، بينما التاريخ يقول إن هذا الشعب تعلم كيف يميز بين الإرهاب والمقاومة، بين الفوضى والثورة. فالشعب الذي خرج ضد الإخوان في 30 يونيو لن يقف متفرجًا أمام محاولاتهم اليائسة للعودة عبر الدم.

تطور التيار الجهادي داخل الإخوان
هل من معتبر؟
لا يخرج التيار الجهادي الجديد داخل جماعة الإخوان الإرهابية عن الإرث التاريخي للصراع بين الخطاب الإصلاحي والخطاب الثوري داخل الجماعة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شهدت العلاقة بين الإخوان والتيارات الجهادية تحولات جذرية، بداية من رفض الإخوان لـ"أفكار سيد قطب"، ووصولًا إلى انشقاق الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في تسعينيات القرن الماضي. اليوم، يعود هذا الجدل بقوة مع بروز تيار جهادي داخل الإخوان، يظهر ملامحه عبر مشروع "ميدان" السياسي، ثم الذراع العسكرية المتمثلة في حركة "حسم".

هذا التيار يقدم نفسه كـ"بديل إستراتيجي" جاهز لملء الفراغ، على غرار نموذج "هيئة تحرير الشام" في سوريا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذا التيار مجرد أداة في يد لاعبين إقليميين لفرض معادلة أمنية جديدة؟

البديل الجهادي ورهان الفوضى
يعتمد الطرح الجهادي الجديد داخل الإخوان على فرضية أن مصر قد تدخل في حالة من الانهيار الاقتصادي أو الاجتماعي، ما يفتح الباب أمام "بديل" يقدم نفسه كحل لحماية البلاد من الفوضى. هذا النموذج يشبه إلى حد كبير تجربة "هيئة تحرير الشام" في سوريا، التي تحولت من جماعة مسلحة إلى "إدارة محلية"، مع تفكيكها للجيش السوري وتهميش أي قوة عسكرية مستقلة.

الخطير هنا هو أن هذا التيار لا يعمل بمعزل عن السياق الإقليمي، بل يبدو جزءًا من مشروع أكبر يهدف إلى: أولًا تفكيك الجيوش الوطنية لصالح كيانات هجينة تخدم الرؤية الإسرائيلية-الأمريكية للشرق الأوسط. وثانيًا تحييد أي قوة عسكرية قادرة على مواجهة إسرائيل، وهو ما يتضح من التركيز على مصر كآخر حاجز أمام هذه الخطة بعد إضعاف سوريا والعراق والسودان.

المعادلة الأمنية الإقليمية والاختراق
المعادلة الأمنية في المنطقة لم تعد تعتمد فقط على الصراعات المباشرة (فلسطين، إيران، اليمن)، بل انتقلت إلى مستوى أعمق: إعادة تشكيل البنى العسكرية للدول لضمان هيمنة الكيان الإسرائيلي. المشروع الإبراهيمي لم يكن مجرد تطبيع دبلوماسي، بل كان بوابة لدمج الأمن الإقليمي تحت قيادة مشتركة تخدم إسرائيل.

في هذا السياق، يقدم التيار الجهادي داخل الإخوان نفسه كـ"ورقة طيعة" جاهزة للتعاون مع هذه الرؤية، عبر: الترويج لخطاب "المقاومة المزيفة" الذي يظهر العداء لإسرائيل شكليًا، بينما يعمل على إضعاف أي جيش قادر على المواجهة.

هذا النموذج نجح جزئيًا في سوريا عبر "هيئة تحرير الشام"، والآن تختبر نسخته المصرية عبر "حسم".

التاريخ يظهر أن الجماعات الجهادية غالبًا ما تكون أدوات في أيدي القوى الكبرى. فالإخوان أنفسهم، رغم خطابهم المعتدل نسبيًا، اتهموا بتغذية التطرف كـ"مصدر أيديولوجي للإرهاب".

لكن الفارق هنا هو أن هذا التيار مدعوم إقليميًا بذكاء، حيث يترك له هامش حركة كاف لاجتذاب الغاضبين، دون أن يصل إلى حد التهديد المباشر للمصالح الغربية.

الفرصة الأخيرة لفهم اللعبة
الرسالة واضحة: المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التفتيت العسكري والسياسي، ومصر هي الهدف التالي بعد إضعاف إيران. التيار الجهادي داخل الإخوان ليس ظاهرة محلية، بل جزء من لعبة إقليمية.

الخطر الأكبر هو أن التهاون في قراءة هذه الرسائل قد يكون كارثيًا، فالتجربة السورية أثبتت أن "البدائل الجهادية" لا تبني دولًا، بل تحولها إلى كيانات هشة تدار من الخارج. الوقت ليس في صالح التردد أو سوء الإدارة، والفرصة الأولى -ربما الأخيرة- لفهم اللعبة قد لا تتكرر.

الحرب النفسية: السلاح الصامت
السكين الصامتة
لم تعد المدافع تدك الحصون، ولا الطائرات تقصف المدن، لكن الحرب تدور رحاها في العقول والقلوب. إنها الحرب التي لا تسمع فيها أصوات القذائف، لكن ضحاياها بالملايين. حرب تُشن ببراعة، فتقتل الثقة، وتسمم الأمل، وتجعل الشعب يشك في قيادته، وفي جيرانه، بل وفي نفسه. إنها الحرب النفسية، سلاح العصر الذي يسقط دولًا دون رصاصة واحدة، ويحول المجتمعات إلى غابة من الشك والريبة.

في عالم اليوم، أصبحت "أجهزة المخابرات" و"الآلة الإعلامية" هما الجيش الخفي الذي يفتت الدول من الداخل. التشكيك، التضليل، التشويه، الإشاعات.. كلها رصاصات غير مرئية، لكن إصاباتها مميتة. فكيف تُدار هذه الحرب؟ ولماذا نجحت في أماكن وفشلت في أخرى؟ وكيف يمكن للشعوب أن تحصن نفسها ضد هذا السلاح الذي لا يرحم؟

بالطبع الحرب النفسية ليست جديدة، لكنها اليوم وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التطور والخطورة. لم يعد الأمر مجرد منشورات تلقى من الطائرات، أو إذاعات معادية، بل تحول إلى "صناعة كاملة" تعمل على مدار الساعة، بآلاف الحسابات الوهمية، وقنوات إخبارية ممولة، وخوارزميات تدفع الأكاذيب إلى صدارة الشاشات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة