عن ابتلاع الزلط وانتظار الغلط وصناعة الخسائر

19-7-2025 | 16:22

"حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط"، مثل معروف يجسد أهم الأخطاء في التفكير، والمشاعر، والتصرفات، "ويكلّف" من يفعله الكثير من الخسائر، بل ويلحق بمن يحبه أيضًا خسائر فادحة.

الزلط -وهو الحجارة الصغيرة- قد يكون كلامًا سيئًا، أو تصرفات تضايقنا، أو أفعالًا يضر نفسه بها، ونبررها لمن نحب وندافع عنها؛ مما يجعله "يتمادى" في كل ذلك وفيما يضره، سيدفع الثمن غاليًا ولو بعد حين.

ابتلاع الزلط يؤدي لزيادة ما يضايقنا ممن نتجاهل غلطاتهم، ولن نتحمل كثيرًا مهما أردنا ذلك؛ فلكل إنسان قدرة ورغبة أيضًا في تحمل ما يزعجه، ويفاجأ أن ابتلاع الزلط "يتراكم" داخله ويتحول إلى حجارة حتمًا "سيلقيها" في وجه من يضايقه يومًا وستؤذيه كثيرًا.

والأسوأ أنه سيشعر أنه مظلوم، فهو لم يتوقع ذلك، ولم يقم من ابتلع الزلط منه طويلًا بدوره في "حماية" نفسه وحماية الطرف الآخر أيضًا من توابع ابتلاع الزلط منه، مما يجعله يعتاد عليه وربما رآه "حقًا" له.

وقد يحاول ممارسته مع الآخرين الذين سيرفضون ذلك ويمنعونه؛ فيراهم معتدين عليه "وظالمين" له، فيتسبب في إلحاق الضرر به أيضًا؛ لأنهم لن يردوا على مضايقته لهم بالورود أو "بالابتلاع" كما يفعل من يقبل بذلك، ويحرمه من فرص يستحقها لبناء علاقات "سوية" مع الناس.

ويضر ابتلاع الزلط من "يختاره"؛ فقد يقلل من ثقته بنفسه ومن "جدارته" بتعامل لائق ممن يحب، فضلًا عن تحميل نفسه أعباءً نفسية زائدة تؤلمه وقد تجعله أكثر حدة مع الآخرين بلا أي مبرر؛ لأنه يحمل ضغوطًا نفسية ويبحث عن التخلص منها، وغالبًا ما يكون ذلك بطريقة خاطئة فلن يبتلع له الآخرون الزلط وقد يتألم لأنهم لا يفعلون معه كما يفعل مع من يحب.

من الصحة النفسية أن نحب أنفسنا وألا نحملها ما يفوق طاقاتنا، وألا نحرض الآخرين على الاستهانة بنا أو توقع أننا سنقبل كل ما يفعلونه لأننا نحبهم؛ والصواب أن يكون الحب والحرص على حسن التعامل والتقدير واحترام المشاعر "متبادلًا" وليس من طرف واحد.

وينطبق ذلك على كل العلاقات الإنسانية مع استثناء العلاقة بالوالدين بالطبع؛ فيجب الحرص المتنامي على إرضائهما بالقول وبالتصرفات دون انتظار المعاملة بالمثل؛ فهذا حقهما وواجب كل ابن وابنة على نفسه أن "يفوز" برضاء والديه وألا يتسبب في إغضابهما أبدًا، وإن فعل فليسارع بطلب العفو، وهذا ليس ابتلاعًا للزلط بل الاستمتاع "بحلوى" بر الوالدين، أليس كذلك؟

ابتلاع الزلط يتضح أيضًا في تبرير أخطاء من نحب في العلاقات الإنسانية، وفي العمل، وأيضًا في التيار السياسي، ويحرم من نحب من "حقوقهم" علينا في توجيههم للأفضل وحمايتهم من الأخطاء، وجميعنا نخطئ، ومن يحبنا ويحترم أعمارنا ينبهنا والعكس صحيح.

البعض يبلع الزلط مع الأصحاب وفي الارتباط العاطفي ويندم كثيرًا؛ فأي زلط "يؤلم" ابتلاعه ويشجع البعض على المزيد من الزلط بلا أي إحساس بالذنب، وإذا نبهته سيراك "مخطئًا" أو تتصيد له أي هفوة لأنك تغاضيت عن "الزلط" السابق.

أما انتظار الغلط من العدو أو الخصم، وهو قد يكون زميلًا مشاكسًا في العمل، أو صديقًا "سابقًا"، أو جارًا مزعجًا؛ فهو حمولة عقلية ونفسية مؤلمة "ويحرمنا" من رؤية أي فرصة لتحسين العلاقات سواء في العمل أو في العلاقات الاجتماعية، ويكلفنا "التحفز" جهدًا نفسيًا وذهنيًا كبيرًا، ويجعلنا "نتسرع" بالحكم على أي تصرف بسيط وكأنه إعلان كراهية أو مؤشر لسوء نية، ونقوم بالرد عليه بحدة وعدوانية ونحوله إلى معركة "تسرق" منا طاقاتنا وتبددها وتصنع عداوات لا مبرر لها.

انتظار الغلط يجعلنا كمن يغادر بيته وهو يتوقع السقوط أثناء المشي؛ وحتى إن لم يجد حفرة فسيسقط بسبب التوتر؛ ولعل هذا من أسباب استمرار بعض الخصومات وتزايدها رغم مضي أعوام عليها، وأيضًا لأنها لم تكن بسبب خلافات حقيقية بل ربما لسوء تفاهم أو لخلافات أثناء عمل "سابق" وما شابه.

ولكن مع استمرار تغذية الشعور بالعداء وانتظار الغلط، يتم تفسير أي تصرف من الطرف الآخر بأنه اعتداء "جديد" ويجب التصدي له بعنف، وهكذا تتكاثر العداوات بدلًا من السماح لها بالذبول، وادخار الطاقات لما يفيدنا، وبالطبع مع ضرورة الحزم ومنع كل ما يمس الكرامة أو الحقوق بأنواعها، فلا مجال للحديث عن التسامح معها.

انتظار الغلط أو ابتلاع الزلط يؤثر على "الوعي" بأنواعه، ويتسبب في تراجع "قدرات" العقل على التمييز بين الصواب والخطأ في كل المجالات؛ ويجب الانتباه لذلك، وليكن "الفلتر" الذي نستخدمه لقبول أو رفض فكرة أو موقف هو كونه خطأ أو صواب، وبالمبادئ التي تمثلها ولا نهتم بمن يقوله؛ فلا نكون "أسرى" لمن نحب فنمنحه عقولنا ونسير وراءه بلا تفكير، ولا نحرم أنفسنا من الاستفادة من فكرة يقولها من لا نحبه؛ فمن الوعي والذكاء تجنب ذلك؛ ففي الأثر: اطلبوا الحكمة ولو في الصين.

انتظار الغلط يحرمنا من تحسين العلاقة وتقليل المضايقات، ونكدّر أنفسنا بلا مبرر ونزيد العداوات، ونقوم "بإجهاض" محاولات الطرف الآخر لإزالة الخصومة؛ وكيف سيفعل؟ وهو يرى تحفزنا الدائم ضده "وتصيدنا" لأي هفوة تصدر منه وتضخيمها، ويعلم أننا نتابعه لمضايقته.

والأذكى وضع الأمور في حجمها الطبيعي والاهتمام بتحسين جوانب حياتنا -ما استطعنا بالطبع- وألا نضع أنفسنا في حالة استنفار وانتظار للغلط، ولا نبتلع الزلط لأي إنسان مجددًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: