وداعًا للخصوصية

17-7-2025 | 15:53

كلما زاد التقدم التكنولوجي، قلت معايير الخصوصية؛ هذه قاعدة لا جدال في صدقها وجودة معيارها؛ فالحياة الآن باتت حافلة بمشاهد لم يكن يتوقعها عاقل منذ بضع سنوات.

منذ عقد ونيف، لم يكن ليخطر بخيال إنسان أن هناك هاتفًا محمولًا مزودًا بكاميرا لها من الامتيازات ما تملكه أكثر أنواع الكاميرات تخصصًا وجودة في العالم. ومن ثم، باتت جودة الكاميرات وخصائصها ومميزاتها من أهم خصائص الهاتف المحمول.

اليوم، هناك عدد كبير من وسائل التواصل الاجتماعي حافلة بكل ما لا يمكن حصره من الصور وما شابه التي تخص المليارات من البشر؛ وسائل يسعى الناس بشكل دائم لنشر كل ما يتعلق بهم؛ ليس فقط الصور، ولكن حتى المناسبات الخاصة، وغالبًا كل ما يتعلق بتفاصيل الحياة دون قيد أو شرط.

ما ذكرته ليس بغريب على القارئ؛ لكن الغريب هو آلية التعامل مع كل تلك البيانات التي تكشف حياة الإنسان بشكل تام. أعطيك مثلًا: لكي يكون لك صفحة خاصة على وسائل التواصل، لا بد من وجود بريد إلكتروني خاص بك؛ هذا البريد الإلكتروني يحمل كل بياناتك وما يخصك بشكل دوري على مدار اللحظة؛ ومنها صورك الخاصة التي تحملها على هاتفك، وتظن أنه لا يمكن أن يصل إليها غيرك. الحقيقة عكس ذلك تمامًا. وهنا الحذر واجب في وجود صور تكشف ما لا ترغب في أن يشاهده غيرك!

ما ذكرته هو أقل القليل. وقد يذكر أحدنا أنه عند البحث عن منتج عبر وسائل التواصل، تجد سيلًا منهمرًا من كل ما يتعلق به يمر عليك؛ هذا أمر كثر الحديث عنه كما كثر تفسيره. إنما الجديد يكمن في إمكانية الولوج لهاتفك ونقل كل بياناته بكل سهولة؛ والأغرب، الولوج إليه واستعمال الكاميرا الخاصة به؛ ومشاهدة ما تلتقطه الكاميرات، وكذلك سماع ما تقول عبر سماعة الهاتف!

هل تعجبت؟

إليك ما هو أكثر عجبًا: مجرد اتصالك بالإنترنت يسهل على الكثيرين الوصول إليك ومتابعتك، وأحيانًا الدخول على وسيلة تواصلك، والتعامل معها إذا تطلب الأمر.

حتى واتساب، هناك عملية "نسخ احتياطي" (backup) تحدث بشكل يومي لكل البيانات المحملة عليه، يتم رفعها على بريدك الإلكتروني الخاص بك؛ ومن ثم فلا توجد خصوصية لمحادثات واتساب الخاصة بك على الإطلاق!

أضف لما سبق ما يفعله البعض، سواء عن قصد أو جهل، بتصوير عدد لا حصر له من الفيديوهات، سواء لمواطنين أو خلافه، على مدار اللحظة، توثق ما يحدث ونشره عبر وسائل التواصل؛ بدأ الأمر جيدًا حينما كان يتم في شكل بلاغ للجهات الرسمية، والفيديو يوثق لفعل يعاقب عليه القانون؛ ولكنه تعدى هذا الإطار وأصبح التوثيق يتم وفق هوى المصور، على اعتبار أن له رؤية قد ينتهي المشهد ولا نفهمها!

في الختام، لا بد من وضع الخصوصية في إطارها السليم من أجل استعادتها والحفاظ عليها؛ والطريقة المثلى لذلك هي بالبعد عن استخدام الهاتف الذكي، وهو الحل الأمثل للأسف.. فهل نستطيع؟

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: