قد تبدو الحكاية بسيطة جدًا، مسلسل عن "الطلاق"، لكن مع مزيج من النوستالجيا متجسدًا في صوت أم كلثوم وهي تغني "فات الميعاد" في الألف تتر، وتخيلات لمئات بل وآلاف حالات الطلاق اليومية، تنتهي الصورة الذهنية التقليدية عن الخلافات الأسرية، وتتصاعد رؤى كثيرة جدًا ومواقف وحالات من الدهشة تجعل المشاهد يبدأ في طرح السؤال على نفسه: "هو إيه اللي بيحصل؟".
لم يكن مسلسل "فات الميعاد"، للمخرج الذي فاجأنا بعد غياب طويل سعد هنداوي، مجرد سرد لحكايات نعرفها، أو قصص من تلك التي تحكيها السيدات في مكاتبهن بالمصالح الحكومية: بنت فلانة اطلقت، أصلها ما بتخلفش، وبنت فلانة اطلقت لأن جوزها بخيل... حكايات كثيرة، لكن المؤلف محمد فريد، والسيناريست إسلام أدهم، أرادا أن يحطما كل ما تعارف عليه من سرديات عن الطلاق، فقدما قصصًا ناعمة لكنها مزعجة.
والأجمل في "فات الميعاد" أن مخرجه سعد هنداوي، صاحب تجارب سينمائية وتليفزيونية ممتعة منها فيلم "السفاح"، و"ألوان السما السبعة"، و"حالة حب"، و"بابا راتزي"، ومسلسلات كثيرة منها "زي الورد"، و"بالحجم العائلي"، أراد أن يُخرج من كل شخصية أجمل ما فيها، فاختار لكل ممثل دورًا لم يسبق أن قدمه أو شاهده في مثله.
فكل التركيبات الفنية التي تعامل فيها أحمد مجدي ليست منها ما يشبه شخصية "مسعد" الزوج العصبي، المتمرد، المشاكس. ولا أسماء أبواليزيد في "بسمة" الزوجة المغلوب على أمرها تارة، والمظلومة أخرى، والمتهمة تارة ثالثة بأنها طرف ظالم في الحكاية...
طرفان بهما كل التناقضات التي تصنع للمشاهد حالة درامية فريدة من نوعها، ينسى معها أن الحكاية تمثيل في تمثيل. ناهيك عن أن كل شخصية لها عالمها المثير للشفقة أحيانًا، والمُفَعِّل للمواقف أحيانًا أخرى، منها بالطبع الفنان الموهوب جدًا محمد علي رزق في دور "عبدالمنعم"، والرائع أينما وُجد محمود البزاوي، ومدرستان في الأداء السلس سلوى محمد علي وحنان سليمان، وظهور رائع للممثل أحمد صفوت الذي أعتقد أنه لم يُكتشف بعد، فبعد "الدالي" لم ينل من الأدوار ما يستحقه كممثل يمتلك مقومات النجم.
"فات الميعاد" حلقات استحقت المتابعة والإشادة، إذ أكد أن نجاح العمل الفني ليس مرتبطًا لا بفصول ولا أشهر، ولا مواسم، ولا نوع من القنوات أو المنصات. العمل الجيد يذهب للمشاهدين حيثما كانوا، يفرض نفسه من الحلقة الأولى. ابتعد مخرجه سعد هنداوي عن كل التيمات المكررة، وعن المط والتطويل والمبالغات، والصور المستهلكة من أداء بعض الممثلين، وكأنهم يجربون أنفسهم للمرة الأولى أمام الكاميرات.
تشعر مع أداء محمد أبو داوود أنك أمام أب حقيقي، ومع محمود البزاوي أمام رجل أسرة من طراز خاص؛ هدوء في التعامل مع مشكلة ابنته، حتى عندما أتى إليه "مسعد" لتسجيل طفلته بعد مولدها، قدم مشهدًا راقيًا، وعندما عاد إليه وقد سجلها باسم والدته، وليس كما تم الاتفاق على الاسم، كان الرد راقيًا.
صناعة الدراما تستوجب أن يكون المخرج فاهمًا جيدًا حدود وقدرات الممثل، وهو ما حدث في هذا العمل. مخرج لديه كتالوج لموهبة كل ممثل، أدارها حيث أراد العمل، حيث حاجة كل شخصية، وليس كما يريد لا الممثل ولا المنتج.
هناك قواعد، إن اخترقتها الاستثناءات، خرج العمل عن طوره المكتوب له والمفروض أن يصل إلى المشاهد.
في مسلسل "فات الميعاد"، ظهور ممتع لممثلين قدموا شهادات مهمة لمواهبهم، أمثال هاجر عفيفي، والرائعة فدوى عابد التي تؤكد كل يوم أنها ممثلة بإمكانات مختلفة، وولاء الشريف.
وجوه كثيرة قدمها لنا المخرج سعد هنداوي، مع مونتاج هادئ لـ سامح أنور، وتصوير سينمائي ممتع لـ زكي عارف، ولمسات موسيقية للموهوب جدًا عزيز الشافعي كعادته.