وُعدنا قبل أكثر من عقد بأن نظارات الواقع الافتراضي ستغيّر شكل الترفيه كما نعرفه، لكن رغم الطموحات، ظلّ الواقع متأخرًا عن الحلم. اليوم، يبدو أن لحظة التحوّل المنتظرة قد أصبحت أقرب من أي وقت مضى، مع دخول عمالقة التكنولوجيا والترفيه في سباق محموم لإعادة تعريف تجربة السينما، الحفلات، والرياضة عبر شاشات ثلاثية الأبعاد تُرتدى على الرأس.
موضوعات مقترحة
شركات التكنولوجيا تعيد الرهان على الواقع الافتراضي
في عام 2025، لم يتحقق بعد الوعد الكبير للواقع الافتراضي الذي بدأ مع إطلاق نظارة Oculus Rift في 2012، والتي مثّلت آنذاك بوابة دخول هذه التقنية إلى الاستخدام الجماهيري. لكن التوجهات الحالية من كبرى شركات التكنولوجيا مثل Meta وApple تشير إلى أن النقلة النوعية أصبحت وشيكة، وفقا لتقرير بثته شبكة سي إن إن الأمريكية.
مؤخرًا، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن شركة Meta دخلت في مفاوضات مع شركات ترفيهية كبرى مثل ديزني وA24 لإنتاج محتوى غامر لنظارات Quest VR. في الوقت نفسه، أعلنت آبل عن تحديثات جديدة لنظارة Vision Pro، أبرزها إمكانية مشاركة المحتوى مع نظارات أخرى — مثالية لمشاهدة الأفلام ثلاثية الأبعاد بشكل جماعي.
مفارقة "الدجاجة والبيضة" في صناعة النظارات
رغم تطور الأجهزة وازدياد قوتها وخفة وزنها، ظلّت النظارات الافتراضية محاصرة في حلقة مفرغة:
المحتوى يحتاج جمهورًا واسعًا لينجح.
لكن الجمهور لن يُقبل على الشراء دون محتوى حصري وقوي.
وحتى وقت قريب، لم تستثمر شركات الإنتاج بشكل جاد في هذا المجال، بل اكتفت بتجارب محدودة مثل:
تذاكر افتراضية لمباريات دوري الهوكي (Stanley Cup).
حفلات ثلاثية الأبعاد لفنانين مثل Alicia Keys وBlackpink.
إطلاق تطبيق +Disney لنظارة Vision Pro في يوم إصدارها عام 2024.
لكن الأمور بدأت تتغير. تقول سارة مالكن، مديرة المحتوى الترفيهي في مختبرات الواقع التابعة لـMeta:
"أعتقد أن اللحظة الفارقة هي عندما تصبح هذه التجارب جزءًا يوميًا من حياتك. ولأكون صريحة، هذا يحدث الآن بالفعل."
الشحنات العالمية للنظارات تزداد رغم التحديات
وفقًا لتقرير شركة IDC، شهد عام 2024 زيادة بنسبة 10% في شحنات نظارات الواقعين الافتراضي والمعزز عالميًا، لتصل إلى 7.5 مليون وحدة، منها 3.4 مليون في الولايات المتحدة وحدها. وعلى الرغم من التوقعات بتراجع الأرقام خلال 2025، تُرجّح الشركة حدوث قفزة هائلة في عام 2026 بنسبة 98.5%، لتصل الشحنات إلى 11.3 مليون وحدة عالميًا.
خسائر بالمليارات... لكن الأمل لا يزال قائمًا
تحمّلت Meta خسائر ضخمة في هذا المجال، بلغت نحو 46 مليار دولار على مدار 3 سنوات، فيما سجّل قسم Reality Labs خسارة تشغيلية قدرها 4.2 مليار دولار في الربع الأول من 2025، مقابل مبيعات لم تتجاوز 412 مليون دولار.
لكن ذلك لم يُثنِ عمالقة التكنولوجيا عن المضي قدمًا.
استثمرت Meta نحو 3.5 مليار دولار في شركة EssilorLuxottica للنظارات الذكية.
أعلنت Snap عن إصدار جديد لنظارات الواقع المعزز.
تعمل Google مع شركتي Xreal وSamsung على تطوير نظارات تعمل بنظام Android XR، على أن تطلق سامسونج أولى أجهزتها تحت اسم Project Moohan.
التحول في مفهوم صناعة المحتوى
رغم وجود أسماء كبرى مثل جيمس كاميرون وسابرينا كاربنتر في مجال الواقع الافتراضي، لا تزال هذه التقنية تفتقر إلى الانتشار الواسع، ويرجع ذلك جزئيًا إلى مفاهيم إنتاجية خاطئة. تقول جينا سيدن، المستشارة المتخصصة في تكنولوجيا الترفيه:
"لا يمكنك ببساطة أخذ نسخة ثنائية الأبعاد من فيلم على Disney+ أو Netflix وعرضها في الواقع الافتراضي. الأمر يتطلب بناء المحتوى من الصفر بما يتناسب مع المنصة."
وتضيف أن المحتوى الحصري هو مفتاح النجاح، مثلما فعلت HBO وApple TV+ في جذب الجماهير من خلال أعمال حصرية وموجهة.
الرياضة وسيلة عبور نحو جمهور الواقع المختلط
وفقًا لـبول رافاييل، الشريك المؤسس في Felix & Paul، فإن الفعاليات الرياضية الحية هي الوسيلة الأسهل لاقتحام الواقع المختلط، بفضل إمكانية تصويرها بكاميرات بزاوية 180 درجة وبثها مباشرة للجمهور.
وفي ظل تصدع النموذج التقليدي للبث والتوزيع — بين تراجع دور السينما وانهيار الباقات التلفزيونية بعد الجائحة — تسعى استوديوهات هوليوود لإيجاد منصات توزيع جديدة، وقد يكون الواقع الافتراضي هو هذا البديل.
أزمة التمويل: الذكاء الاصطناعي يسرق الأضواء
الاستثمارات في تقنيات XR تراجعت بشكل واضح مقارنة بنظيراتها في الذكاء الاصطناعي والسيارات الذاتية القيادة.
في عام 2021، بلغت استثمارات XR نحو 4.08 مليار دولار.
بينما قفز تمويل الذكاء الاصطناعي من 39.9 مليار دولار عام 2019 إلى 105.3 مليار دولار في 2025.
أما في 2025، فانخفضت استثمارات XR إلى 347.6 مليون دولار فقط.
لكن المحلل برتراند نيبفو يرى أن الصورة بدأت تتغير، ويقول:
"الآن، وبعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فهمًا وحدودًا، بدأت الميزانيات تعود إلى XR من جديد."
التحدي الأكبر: إقناع المستهلك بارتداء الجهاز
رغم تطور العتاد والمحتوى، يظل التحدي الأكبر هو إقناع الناس بأن النظارات تستحق الشراء والارتداء. لهذا السبب، ركّزت آبل في حملتها الإعلانية لنظارة Vision Pro على الجانب العملي والإنتاجي وليس فقط الترفيهي.
ورغم مرور أكثر من عقد على دخول التقنية إلى السوق، لا يزال الخبراء مختلفين حول موعد الانطلاقة الحقيقية للواقع الافتراضي. البعض يرى أنها قد تحدث "في أي لحظة"، وآخرون يتوقعون ما بين عامين إلى عشرة أعوام.
هل تصبح الشاشة ثنائية الأبعاد من الماضي؟
يختم رافاييل حديثه بتوقع جريء: "في المستقبل، قد ننظر إلى الأفلام ثنائية الأبعاد كما ننظر الآن إلى أفلام الأبيض والأسود — ليست بلا قيمة، لكنها تنتمي إلى زمن آخر."
قد لا تكون اللحظة قد حانت بعد، لكنها تقترب أكثر فأكثر... ويبدو أن مستقبل الترفيه لن يُكتب على الشاشة، بل سيُرتدى على الرأس.