في طريقي إلى مطعم بوسط البلد كنت مدعواً لافتتاحه كان الشارع مزدحماً أكثر من المعتاد.. أخرجت هاتفي وعلقته في جرابه المخصص "للايفات" أسفل المرآة وفتحت "لايف" لا يمضي الوقت دون استفادة.. انطلقت بما جادت به قريحتى أسب في عشوائيتنا وما انحدرنا إليه من قاع جاوز القاع.. تلك الطبقة الغاضبة الزاعقة تستقطب ملايين المأزومين كذباب جائع.. آلاف اللايكات في اللحظة يا مُعلمي!.. طلبت من المتابعين أن يصبوا إلي لعناتهم في التعليقات كلٌ من موقعه المزدحم وأن نتشارك جميعا مشاهد الزحام على طرق الآلام.. تفاعل "اللايف" محلقاً بأرقام مشاهدات ومشاركات وإيموجيهات من أحياء المتفاعلين والأموات.
الحر يشتد والسيارات من حولي تصطلي.. وأنا في كوكبي الافتراضي مكيف الهواء أصرخ متسائلاً متى ننعم بحياة كريمة في وطن يسوده النظام.. لمحت بطرف عيني حارة وحيدة تبدو سالكة فكسرت عنوة على من بجانبي حتى امتلكت زمامها رغم "كلاكساته" الصارخة بسباب أعلمه جيداً.. كان فرصة أن أسأل المتابعين عن غرامة أبواق السيارة التي اندهست وماتت على طرقنا الميمونة.
اكتشفت أن الحارة السالكة إنما تؤدي لدوران لا بديل معه إلا بسير عكس الطريق.. تشجعت بقافلة المركبات المتقاطرة أمامي بكل أريحية وكأنه حق واكتُسب.. لم أُوقف "اللايف" لحظة بل قفزت إلي ذاكرتي حوادث الطريق الإقليمي فعرجت بالحديث عن غياب القانون الرادع في شوارعنا وتداعياته الكارثية.. وانبريت في استعراض فكرة كيف سيُختزل الحادث، كغيره، في سائق المقطورة.. بينما الموضوع أكبر.. و"اللايكات تكثر".
اعتدل بنا المسير في طريق موازٍ ظننته مهرباً فإذا به فخ مخادع آخر ما لبث أن سقطت به صفوف السيارات كزميله وطال به الوقوف واستبد بحركتنا الموات حتى أطفأ بعضنا المحركات.. اهتز هاتفي باتصال من مهندس تشطيبات شقتي بالتجمع يبشرني بإتمام العملية بنجاح ساحق ودفن وصلات الكهرباء بحنكة لا يقدر على فك شيفرتها محصل أو محقق أو كشافات.. وأن فواتيري لن يطولها ما يطول جيرانها من لهيب استهلاك المكيفات.
بينما كنا نتبادل التهاني إذا بالخط ينقطع.. والهاتف يفقد الإنترنت لكأنما هبطت عليه لعنة.. وسحابة من الدخان تغمرنا ويكأننا دخلنا النار.. رفعت رأسي لأجد ألسنة اللهب تشتعل بسنترال رمسيس في عمق الشارع والخلق يركضون على غير هدى من كل حدب صوب.. هي اللحظة تأتي برزقها والعوض يختار صاحبه ورب الكعبة!.. تركت سيارتي في عرض الشارع وأمسكت بهاتفي واندفعت وسط الجموع أصور لحظات خاصة للتاريخ مصحوبة بلعناتي على الفساد والإهمال.. وكيف يمكن أن يشل بلدنا العريق حريق على هذا الحال.
بينما كنت أعود لسيارتي.. وجدتُ الطريق قد خلا من السيارات و"الونش" يسحب مركبتي الفارهة جانباً.. ركضت خلفه أصرخ ملوحاً بيدي وساقي حتى لحقت به.. سألني جندي المرور وهو يكابد دموعه وسط الدخان كيف جرؤت على ترك السيارة بهذه الطريقة.. وحين رآني تهلل وجهه وقد تعرف عليّ وأخبرني أنه من متابعيَّ الأوفياء.. التقطنا صورة سيلفي والحريق خلفي ووجهنا يعلوه الجد لا الابتسامة.. ووعدته بـ"بوست" أحيي فيه بطولته بما تيسر، وأخذت سيارتي ورحلت دون تقييد مخالفة تُذكر.
إن هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى وجدت شبكتي حبيبتي لقمة عيشي تعود للهاتف من جديد.. طفقت أرفع مقاطع الفيديو مرفقة بتعليقاتي الساخنة معتلياً ظهر "الترند".. ومردداً قوله تعالى: «..حتى يغيروا ما بأنفسهم».
- المقال ساخر من خيال كاتبه وأي تشابه بالمواقف لا يمت للخيال بصلة