لماذا نصنع الكوارث بأيدينا؟!

10-7-2025 | 15:26

هل يمكن لمبنى واحد أن ينهي اتصال شعب بأسره بالعالم؟ وهل يمكن لشرارة نار، مهما بلغت قوتها، أن تحرق خريطة اتصالات دولة كاملة؟ 

الأسئلة تبدو بسيطة، لكن الإجابات عنها تنطوي على فلسفة كاملة عن كيفية قراءتنا للأزمات، وكيف تتحول الصدمات المادية إلى كوارث معنوية، وكيف تنتج المجتمعات سردياتها الخاصة عن الانهيار، حتى عندما تكون الوقائع مختلفة.

نحن اليوم نعيش في عالم تحكمه الشبكات المعقدة، والمسارات البديلة، وأنظمة "النسخ الاحتياطي" التي تُصمم خصيصًا لمواجهة السيناريوهات الأسوأ. 

كيف نصدق أن دولة مثل مصر -ببنيتها التحتية الضخمة- يمكن أن تنهار بالكامل بسبب حادث في مبنى؟ هل هذا سذاجة في التفكير، أم رغبة مبطنة في تصديق أن الكارثة أقرب مما نتصور؟

في لحظة ما، تحولت النكات عن "انقطاع الإنترنت" إلى حقائق مُسلّم بها، وانتشرت الأخبار عن "عزلة مصر"، كما لو كانت جزيرة نائية ضائعة في المحيط. المشهد كان أشبه بعملية تشريح لجثة على قيد الحياة: الجميع يتحدث عن الموت، بينما القلب ما زال ينبض.

الحقيقة التي لا تحتمل النكتة هي أن مصر لم تنقطع عن العالم، ولم يمت أحد جوعًا؛ لأن البطاقات الائتمانية توقفت، ولم يتحول الشارع المصري إلى غابة بشرية بسبب انهيار الخدمات. ما حدث كان تأثرًا، وليس انهيارًا؛ ارتباكًا، وليس عجزًا. الفارق بين الكلمتين هو الفارق بين الواقع والوهم.

الفلسفة النقدية للانهيار المتخيل

هناك مصطلح في علم الاجتماع يسمى "الانهيار التخيلي" (Imagined Collapse)، وهو أن تتصور مجموعة بشرية أن نظامًا ما قد انهار، فيبدأون في التصرف كما لو كان الانهيار حقيقيًا، مما يتسبب في أزمات فعلية لم تكن لتحدث لولا هذا التصور. هذا ما حدث مع الإنترنت في مصر: لم يكن الانهيار كاملًا، لكن تصديق الناس أنه كامل جعل تأثيره أكبر.

والسؤال الأعمق: لماذا نستمتع - أحيانًا - بتضخيم الأزمات؟ ربما لأن الكارثة تمنحنا إحساسًا زائفًا بالأهمية: "انظر، نحن نعيش حدثًا تاريخيًا!"، أو ربما لأننا نريد أن نصدق أن النظام الذي نعيش فيه هش، حتى لو كان متينًا. في النهاية، تصديق أن "كل شيء قد انهار" أسهل من مواجهة حقيقة أن الحياة تستمر، بكل تعقيداتها.

ماذا نتعلم من حريق مبنى "سنترال رمسيس"؟

الحادث كان اختبارًا حقيقيًا لثلاثة أشياء:
 للبنية التحتية: هل صمدت؟ الإجابة كانت "نعم"، لكن بثغرات تحتاج إصلاحًا.
 للإعلام والرأي العام: كيف نتعامل مع الأزمات؟ الإجابة كانت "بتهويل"، وهذا خطر يجب مواجهته.
لنا كأفراد: هل نتحقق من المعلومات قبل تصديقها؟ الإجابة – للأسف – كانت "نادرًا".

في المرة القادمة التي نسمع فيها عن "انهيار"، ربما علينا أن نتوقف، ونفكر: هل هذا انهيار حقيقي، أم شائعة؟

 

سوسيولوجيا الشائعة

في عام 1938، بثت الإذاعة الأمريكية مسرحية "حرب العوالم"، التي صورت هجومًا فضائيًا على الأرض. رغم أنها كانت عملًا فنيًا، إلا أن آلاف الأمريكيين صدقوا الخبر، وهربوا من منازلهم، بل إن بعضهم أغمى عليه من الخوف. اليوم، نحن لا نختلف كثيرًا عن أولئك المستمعين. الفارق الوحيد أننا لا نهرب من بيوتنا، بل نهرب من المنطق.

ما حدث خلال أزمة انقطاع الإنترنت في مصر اختبار لثقافتنا في مواجهة الشائعات، ولقدرتنا على التمييز بين "الحدث" و"السردية". 

فكيف تحولت أزمة اتصالات محدودة إلى سردية عن "انهيار الدولة"؟ ولماذا نجد متعة غريبة في تصديق أن كل شيء على وشك الانهيار؟

1. العقل الجمعي و"متلازمة الكارثة"
هناك ظاهرة نفسية تسمى "انحياز السلبية" (Negativity Bias)، حيث يميل الإنسان إلى تذكر الأخبار السيئة أكثر من الجيدة، بل وإلى تصديقها بسرعة أكبر. هذا الانحياز ليس عيبًا في الشخصية، بل هو بقايا غريزية من أيام الكهوف، عندما كان توقع الأسوأ ضروريًا للبقاء. لكن المشكلة أننا لم نعد في الكهوف، بينما لا تزال أدمغتنا تعمل بنفس الآلية.

عندما انتشر خبر "انقطاع الإنترنت"، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه غرفة صدى (Echo Chamber)، حيث يكرر الجميع نفس السردية الكارثية دون تحقق. لم يسأل أحد: "هل انقطع الإنترنت فعلًا في كل مكان؟"، بل سارعوا إلى نشر صورة لمبنى محترق وكأنه "مقبرة الرقمنة المصرية".

2. لماذا نصدق السرديات الكارثية؟
أ. الرغبة في الدراما الإنسان كائن يحب القصص، وليس هناك قصة أكثر تشويقًا من "نهاية العالم". حتى عندما تكون الأزمة بسيطة، نضيف لها دراما لا وجود لها، لأن الحياة العادية مملة، بينما الكارثة تمنحنا إحساسًا زائفًا بالأهمية: "نحن شهود على حدث تاريخي!".

ب. العقلية المؤامراتية في عالم يشعر الكثيرون فيه بأنهم خارج السيطرة، تظهر النظريات المؤامراتية كـ"مُسكن" نفسي. فبدلًا من قبول أن العطل الفني قد يكون عابرًا، نفضل تصديق أن "الانهيار مخطط له"، لأن هذا يمنحنا وهم الفهم والسيطرة.

ج. الاستثمار السياسي في الأزمات بعض الأطراف -عن قصد أو غير قصد- تستخدم الأزمات لترويج أجنداتها. فتصوير الدولة على أنها "عاجزة" أو "على حافة الانهيار" قد يكون جزءًا من معركة سياسية أو اقتصادية. وهنا تتحول الشائعة إلى سلاح.

3. ماذا يقول لنا هذا عن أنفسنا؟
لو كان انقطاع الإنترنت مؤامرة، فالمؤامرة الحقيقية هي كيف نجعل أنفسنا ضحايا لخيالنا. نحن نعيش في عصر التكنولوجيا، لكننا ما زلنا نفكر بعقلية القرون الوسطى: نصدق أي خبر سيئ دون تمحيص، ونرفض أي دليل على العكس.

كيف نطفئ الحرائق قبل أن تشتعل؟

الحريق الحقيقي ليس هو الذي شب في مبنى الاتصالات، بل الحريق الذي يشب في عقولنا كلما سمعنا خبرًا مزعجًا، وإذا كنا نريد أن نتعلم من هذه الأزمة، فلنبدأ بثلاث خطوات:

التوقف قبل المشاركة: ليس كل ما يُقال "أزمة" هو أزمة بالفعل.

التشكيك في السرديات الجاهزة: هل هذا انهيار حقيقي، أم مجرد قصة نريد تصديقها؟

إصلاح الثقافة قبل إصلاح الشبكات: لو كان لدينا نظام مناعة ضد الشائعات، لما اهتزت بنا أي أزمة.

في النهاية، المباني يمكن إصلاحها، لكن الثقة المفقودة يصعب إعادتها. 

والسؤال الأهم: هل نريد أن نكون شعبًا يبني، أم شعبًا يهدم نفسه بكلماته قبل أن يهدمه أي حريق؟!

[email protected]

كلمات البحث