كيف نحرر عقولنا من أوهامها؟!

10-7-2025 | 14:46

لعل سبب رئيس دفعني للكتابة عن هذا الموضوع الشائك، وقد يكون نفس السبب عند كثير مثلي ممن هم مهتمون بالعقل وكيفية النهوض به وتخليصه من جاهلية قد فُرضت عليه فرضًا، فأوقعته في شراكها من خلال حيلها الخادعة، بدعوى أن عقولنا مفارِقة تستطيع أن تدرك كل شيء غير محدودة ومحدِّدة المعارف، وأن عقولنا متحررة لا سيطرة عليها فلا قيود تقيدها من سلطة دينية أو سلطة دنيوية، مما أفقد العقل البشري توازنه، وكاد أو أوشك أن يفقد هويته ومصداقيته، خصوصًا بعدما تهاوت كثير من الاتجاهات المادية التي فشلت فشلًا ذريعًا في إدارة العقل الإنساني، مما جعله يتحول من خلالها إلى آلة صماء تنفذ ما يطلب منها دون وعي أو إدراك.

وما إن يحاول أن يستفيق، تتلقفه أوهام أخرى عبر اتجاهات متطرفة في التفكير تريد منه طرح الأخلاق جانبًا، طرح الدين، طرح القيم، طرح كل ما يجعله مفكرًا وتحويله إلى مقلد.

عندما أراد أنصار الحداثة الانتصار للعقل على حساب مقومات وجوده الحقيقية، أخفقوا، لماذا؟! لأنهم سعوا سعيًا حثيثًا إلى إخراج دوره المنوط به، ألا وهو التفكير السديد الذي يوفق بين المادية والروحية، فلا تغطي إحداهما على الأخرى.

ولما فشلوا، راحوا يبحثون عن سبيل آخر لتدمير ما تبقى منه. ذهبوا يهللون ويسبحون بحمد تنظير جديد ما أطلقوا عليه ما بعد الحداثة.

لكن السؤال لهؤلاء ومن شايعهم: هل أفلحت الحداثة؟ هل حققت أهدافها أم أصابت العقل الإنساني في مقتل؟ أصابته في فكره ووضعته في مفترق الطرق لا هو قادر على العودة إلى أصوله، ولا هو قادر على المواصلة التي استشعر معها فقدان ذاته.

هل أفلحتم أيها الحداثيون حتى سعيتم إلى ما بعد الحداثة؟

إذا أردنا أن نعيد لعقولنا هيبتها وحيويتها وديناميكيتها واستمراريتها ودورها الفاعل المنوط بها، دورها الحقيقي المتمثل في فكر صائب، فكر لا يُودي بصاحبه إلى التيه والضلال ولا يقوده إلى الهاوية، فكر يحفظ لهذا العقل كرامته وذاتيته.

تعالوا نجتهد معًا ونحاول أن نضع تعريفًا للعقل. فالعقل هو حياة وتفكر وقوة متدفقة سارية في الوجود؛ سواء الوجود المادي أو الوجود المعنوي. الوجود المادي الذي نحياه فلا يمكن أن يستقيم هذا الوجود من تلقاء ذاته، ولكن ثمة قوة تدبره وتُنظمه، تلك هي قوة العقل.

أما الوجود المعنوي، فهو الوجود المفارق المتعالي، ونحن كعقول متفكرة مطالَبون بالبحث عن كنهه وحقيقته: هل هو موجود أم غير موجود؟ هل العالم الآخر حقيقي أم ضرب من الخيال؟

نعم، مطالَبون باستقصائه، والسؤال عنه لإشباع النهم المعرفي لدينا.

وإذا كان هذا العالم موجودًا، فلماذا لا نحسه ونلمسه، ولماذا لا يتحقق في واقعنا المعيش؟

فهيا أيها العقل تدبر وتفكر: هل العالم الآخر غير موجود في عالمنا؟ هل لا نحسه ولا نستشعر وجوده؟

وهنا يطرح العقل المتفكر سؤالًا على نفسه: هل العالم الذي نحياه وجد عن طريق المصادفة أو الاتفاق؟ هل حدوث الظواهر الطبيعية حدثت من تلقاء نفسها أم ثمة علة تسببت في حدوثها؟

وهنا تأتي تحررية العقل، تحرره من القطيعة المعرفية التي تجعله دومًا لا يكل ولا يمل السؤال عن العلاقة التلازمية بين الوجودين: ما فوق فلك القمر وما تحت فلك القمر.

فيهدأ ويسلم تسليمًا بوجود تلك العلاقة، علاقة التدبير والتصريف، ثم يعاود ثورته من جديد ويشك، ثم يقطع الشك باليقين إلى أن يدرك حقيقة هذه العلاقة التي تخلصه من أوهامه.

فيتخلص من الميثولوجيا والخرافات ويطرحها جانبًا، فلا مكان للخرافة ولا يقبلها العقل أبدًا. كذلك لا يقبل الدجل والسحر والشعوذة، فكل هذه الأمور لا ترقى مراقي العقول النيرة الباحثة المستنيرة التي تحاول جل استطاعتها أن تصل إلى إجابات مقنعة لكل ما تراه أمامها، لكل ما تعانيه من قلاقل واضطرابات وفقدان للهوية والذاتية. 

فلا يمكن بحال من الأحوال أن ترتضي عقولنا ما يحدث الآن في العالم من حولنا وما تحيكه قوى الشر للإطاحة بالإنسان وبعقله.

نعم، إن العقول الفاهمة المستبصرة ترفض التقليد الأعمى، ترفض الانقياد والإمعية، ترفض سفك دماء الأبرياء أيًا كانت أجناسهم، ترفض وأد العالم وتحويله إلى ساحات للحروب، ترفض سياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في المعاملة.

ترفض أن تكون عرائس ماريونيت يمسك بخيطها شخص واحد يحركها ويتلاعب بها كيف يشاء وفي أي وقت يشاء.

ضرورة ملحة أن تتخلص عقولنا إذا أردنا لها النجاة من هذه الفخاخ المدمرة. عليها أن تتخلص من أوهام الكهف التي حدثنا عنها أفلاطون في جمهوريته، تتخلص من فكرة الإدراكية اليقينية المعرفية، فليس ثم معارف يقينية، لماذا؟ حتى يظل العقل متقدًا متفكرًا بحاثًا.

عليه أن يتخلص من أوهام فرانسيس بيكون، وأن ثمة أمورًا لا يمكن إدراكها إدراكًا يقينيًا في واقعنا المعيش، لماذا؟ لأن واقعنا متغير ومتجدد، ومن ثم وجب على العقول المواكبة والمعاصرة للارتقاء بواقعنا الذي يقودنا إلى معرفة القوى العليا المدبرة له.

إذا أردنا حقًا الارتقاء بعقولنا، فلابد لنا من تحريرها من مركزيتها، من التفكير الكلاسيكي التقليدي والانطلاق إلى تفكير نقدي يثري الفكر ويخرجه من تقوقعه وتمركزه حول ذاته إلى تفكير يتماشى مع واقعنا ويتناسب مع روح العصر ومع متغيراته ومع سيطرة التقنيات الفضائية وثورة المعلومات العملاقة، شريطة ألا يخل بثوابته وبقيمه التي تضمن له ثباته وبقاءه واستمراريته.

أستاذ الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: