القلب يعشق كل جميل
لا يعاتب اللي يتوب،
ولا في طبعه اللوم،
واحد ما فيش غيره،
ملا الوجود نوره،
دعاني لبيته،
لحد باب بيته
وأما تجلى لي،
بالدمع ناجيته.
آخر ما كان يخطر ببال، السيدة أم كلثوم، أن يكتب لها شاعر، مثل محمود بيرم التونسي، هذه الأغنية الدينية الصوفية الشجية العذبة، القلب يعشق كل جميل، وكانت الأغنية الدينية الوحيدة، لأم كلثوم، بالعامية المصرية، وكانت أيضًا الأغنية الدينية الوحيدة لمؤلفها، الشاعر المصري التونسي، بيرم التونسي.
ووجه استغراب أم كلثوم، أنه كان معروفًا عنه، للقاصي وللداني، أنه شاعر يشطح كثيرًا نحو المجون!
لكنك لا تدري، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا.
يختفي بيرم تمامًا، شهرًا أو يزيد، ولا يعرفون عنه شيئًا، ويغلب الظن على أم كلثوم، أنه مقتول أو مسجون!
يعود بيرم، وينطلق مسرعًا إلى صديقه، الشيخ زكريا أحمد، الذي يبادره بالسؤال: أين كُنتَ؟ وفيم غيابُك؟ ليخبره بأنه كان يؤدي فريضة الحج!! فريضة الحج؟! أنت يا بيرم؟! يا إلهي! كيف هذا؟! بيرم لا يرد! ويطلب من زكريا أن يذهب بكلمات الأغنية، لأم كلثوم، إذ يثق أنها لن تصدقه، لو قدم إليها الكلمات بنفسه، وربما يُغْشَى عليها من الضحك!
وفي النهاية يكون ما طلبه بيرم، وتكون هذه الأغنية، التي قُدمت بعد عشر سنوات كاملة، من استلام أم كلثوم لها، وبعد رحيل بيرم نفسه، عن الدنيا كلها، وبملحن آخر، هو رياض السنباطي.
المعني، نحن جميعًا عبيد لله، وليس لمخلوق، أن يمنح آخر، صكوكًا للجنة، أو أُخرى للنار، فمن هداك، قادر على أن يُضلك، ويهدي غيرك، فهي قلوب ضعيفة، بين يدي الرحمن، يقلبها كيف يشاء.
فإياك أن تغتر بعبادتك، وإياك أن تنظر لغيرك من العاصين، نظرةً فيها تعالٍ، فهذا هو (الكِبْرُ) الممقوت، حتى من العابدين أنفسهم، والذي قد يُحبط عبادتهم، ويضيع ثوابها.
ساعد العاصي، سانده، ترفق به، ولا تكن عونًا للشيطان عليه، كُنْ معه داعيةً، ولا تكنْ عليه قاضيًا، فالقاضي هو أحكم الحاكمين.
دائمًا إِكْره الخطأ، لكن لا تكره المُخطئ، ابْغَض المعصية، وسامح واِرحم العاصي، انتقد القول، واحْترم القائل، فإن مهمتنا هي أن نقضي على المرض، لا على المريض، فالحياة أسلوب، وليست تصيدًا للعيوب
سألوا أحد الصالحين: ما حكم الذي لا يصلي؟ قال حكمه، أن تدعو له بالهداية، وتأخذه من يديه إلى المسجد، وهكذا تكونُ الفتوى، تقوى وبرٌ وأدبٌ!
لا أحد يعرف مصيره، والكل يرجو رحمة ربه، ويتعلق بعفوه، وإن كانوا أصلح الصالحين: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.
وقالوا لعثمانَ، رضي اللهُ عنه: متى الراحةُ؟ قالَ: عندما تَصيرُ الرجلُ اليسرى، بجوارِ اليُمنى، في الجنةِ.
ولقد علمونا في الصغر أن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست (هِرة) لا هي أطعمتها، ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض، وأن الجنة أيضاً فتحت أبوابها لرجل سقى كلباً، كاد يهلك من العطش.
"لقد تابت توبة لو وُزعت على أهل الأرض لكفتهم"، هكذا قال المعلم الأول، صلى الله عليه وسلم، في المرأة التائبة، بعد إقامة الحد عليها، وقد ظن بها بعض الأصحاب سوءًا، فلامهم على ذلك، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها،
هي قيم الجمال في حياتنا،
الجمال في الرحمة، الجمال في العدل، الجمال في الإحسان، الجمال في التواضع ولين الجانب، الجمال في العطف على الناس، والتماس الأعذار لهم، والعفو عنهم، الجمال الذي وضع المصطفي (صلى الله عليه وسلم) في أعلي مراتب النبوة والرسالة والإنسانية: فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.
هذا هو الجمال، الذي تهواه العين، وتطمئن له النفس، ويعشقه القلب، فالقلب يعشق كل جميل.