د.عطية الطنطاوي: ما حققته الدولة المصرية في القارة يعد إنجاز غير مسبوق منذ عقود الاستقلال
موضوعات مقترحة
د.سالي فريد: العلاقات الاقتصادية شهدت نقلة استراتيجية كبرى منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي
د.سيد رشاد: القاهرة تعاملت مع ملف الشباب الإفريقي كأولوية استراتيجية وفتحت مؤسساتها التعليمية
عمرو حسين: استعادت موقعها الإقليمي والدولي بقيادة سياسية واعية وإرادة وطنية موحدة
لم تكن 30 يونيو مجرد لحظة فاصلة في التاريخ المصري، بل كانت نقطة تحول استراتيجي أعادت ضبط بوصلة الدولة تجاه عمقها الإفريقي، ففي اللحظة التي أسقط فيها المصريون مشروع اختطاف الدولة، كانت إفريقيا تراقب وتنتظر، ليس فقط استقرار القاهرة، بل عودتها إلى موقعها الطبيعي كقوة مركزية في القارة، سريعًا، أدركت مصر أن معركتها في الداخل لا تنفصل عن معركتها في الخارج، وأن استعادة القرار الوطني يتطلب استعادة دوائر التأثير، وعلى رأسها الدائرة الإفريقية، فتحركت الدولة بسياسات جديدة، وأدوات أكثر فاعلية، لتعود إلى إفريقيا ليس بمنطق المصالح الضيقة، بل بمنظور الشراكة والمصير المشترك.
ومن رئاسة الاتحاد الإفريقي، إلى هندسة ملفات الأمن والسلم، ومن دعم مشروعات التنمية والبنية التحتية، إلى تعزيز الحضور الثقافي والديني، فتحت القاهرة أبوابًا واسعة أمام إفريقيا، وقدّمت نموذجًا يُعيد الاعتبار للقيادة الرشيدة والتكامل القاري.
فكيف استفادت القارة من هذه العودة المصرية؟ وما الذي تغير في خريطة النفوذ الإقليمي منذ 30 يونيو؟ ومن يربح اليوم من صعود القاهرة كفاعل إفريقي لا يُستهان به؟ هذا التحقيق يضع الإجابات على الطاولة، مدعومة بالشواهد والأرقام وشهادات من قلب القارة.
الرؤية السياسية
في البداية، قال الدكتور عطية محمود الطنطاوي، عميد كلية الدراسات الإفريقية العليا بجامعة القاهرة، إن ثورة 30 يونيو لم تعد فقط الروح للدولة الوطنية في الداخل، بل أسست لتحول جوهري في السياسة الخارجية المصرية، وخصوصا في علاقتها بإفريقيا، حيث نجحت مصر في تحقيق اختراق استراتيجي عميق في بنية العلاقات الإفريقية على مختلف المستويات.
وأكد أن ما حققته مصر سياسيا في إفريقيا خلال العقد الأخير هو إنجاز غير مسبوق منذ عقود الاستقلال، مشيرا إلى أن القاهرة استعادت موقعها كفاعل رئيسي داخل القارة، بعدما كانت غائبة أو مغيبة في ملفات مصيرية تمس الأمن الإقليمي، ومجالات التنمية والتكامل الاقتصادي.
وأوضح "الطنطاوي" أن الدولة المصرية، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلقت بعد الثورة برؤية جديدة تنسجم مع ثوابت مصر التاريخية، وتستوعب التغيرات الجيوسياسية، فحرصت على الحضور القوي في كافة آليات الاتحاد الإفريقي، والمساهمة في بناء القدرات الإفريقية، وتعزيز الشراكات متعددة الأطراف، والتفاعل الفعّال مع مبادرات إسكات البنادق، ومكافحة الإرهاب، وتغير المناخ، والهجرة غير النظامية.
وشدد على أن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في عام 2019 كانت لحظة مفصلية أعادت فيها القاهرة التأكيد على مسؤولياتها التاريخية تجاه القارة، فدفعت بمشروعات كبرى إلى الأمام، مثل إنشاء مركز إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وإطلاق آليات تشاورية للأمن الجماعي الإفريقي، إلى جانب استضافة مصر عشرات القمم والمؤتمرات التي جعلت منها مركزًا لاتخاذ القرار الإفريقي.
وتابع عميد كلية الدراسات الإفريقية العليا أن التحركات المصرية لم تكن رمزية أو دبلوماسية فقط، بل كانت مدعومة بسياسات واضحة في مجالات التنمية، تمثلت في إرسال آلاف الخبراء إلى الدول الإفريقية، واستقبال أعداد ضخمة من الطلاب والقيادات الواعدة من دول القارة، وإطلاق مشروعات التعاون الفني واللوجستي في مجالات مثل الزراعة والطاقة والصحة والمياه.
وأشار إلى أن هذه الجهود تعززها أجهزة الدولة المختلفة، وفي مقدمتها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، والأزهر الشريف، ووزارة الكهرباء، وجامعة القاهرة، التي لعبت دورًا نوعيًا في تقديم نموذج أكاديمي حقيقي للتكامل المعرفي مع إفريقيا، وخاصة بعد تحويل معهد البحوث والدراسات الإفريقية إلى كلية للدراسات الإفريقية العليا، وفقًا لتوجيهات القيادة السياسية.
واختتم الدكتور عطية الطنطاوي تصريحه قائلًا: "ما حققته مصر إفريقيًا بعد 30 يونيو ليس فقط استعادة للدور، بل هو تثبيت لمكانة قيادية مستحقة، قائمة على احترام الشراكة، وبناء الثقة، والانحياز لخيارات التنمية والأمن والاستقلال. لقد أصبحت مصر صوتًا حاضرًا ومسموعًا في كل ما يخص القارة، وفاعلًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص حاضر إفريقيا ومستقبلها".
الجانب الاقتصادي
من جانبها، قالت الدكتورة سالي فريد، أستاذ الاقتصاد ورئيس قسم السياسة والاقتصاد بكلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة، إن العلاقات الاقتصادية بين مصر والقارة الإفريقية شهدت نقلة استراتيجية كبرى منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، حيث لم يعد الحضور المصري في إفريقيا مقتصرًا على البعد الرمزي أو السياسي، بل أصبح فاعلًا ومؤثرًا في قلب معادلة التنمية الإفريقية.
وأكدت أن الدولة المصرية تبنت سياسة اقتصادية إفريقية جديدة بعد ثورة 30 يونيو، تعتمد على التكامل والشراكة، من خلال أدوات متعددة أبرزها الشركات الوطنية، والمبادرات التنموية، والدعم الفني، والاستثمار في رأس المال البشري الإفريقي، لافتة إلى أن مصر باتت نموذجًا ناجحًا للتعاون جنوب–جنوب في القارة.
وأشارت إلى أن شركة المقاولون العرب تُعد واحدة من أبرز أذرع مصر التنموية في إفريقيا، حيث تنفذ أكثر من 30 مشروعًا ضخمًا في دول مثل أوغندا، كينيا، نيجيريا، زامبيا، غينيا، جنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، من بينها مشروعات للطرق والمطارات ومحطات المياه والكباري والسدود، بتكلفة إجمالية تُقدَّر بمليارات الجنيهات.
وأضافت أن شركات مثل السويدي إليكتريك وأوراسكوم ساهمت بشكل فاعل في مشروعات الطاقة والكهرباء، وأبرزها: محطة كهرباء في زامبيا بقدرة 100 ميجاوات، تنفيذ شبكات توزيع في إثيوبيا وتنزانيا، استثمارات في التصنيع المحلي للطاقة في غانا والسودان.
وأكدت د. سالي أن حجم التبادل التجاري بين مصر وإفريقيا ارتفع بنسبة تقارب 70% خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث زاد من نحو 3.7 مليار دولار عام 2014 إلى أكثر من 6.2 مليار دولار بنهاية 2022، وهو ما يعكس نتائج التوسع في الاتفاقيات التجارية الإفريقية، وعلى رأسها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، التي كانت مصر من أوائل الدول الداعمة لتفعيلها.
وشددت على أن الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية، نفذت خلال السنوات الماضية أكثر من 250 برنامجًا ومشروعًا في إفريقيا، وقدمت منحًا تدريبية وفنية لآلاف الشباب والمسؤولين والكوادر في مجالات الصحة، الطاقة، الزراعة، المياه، الإدارة، والتعليم.
وتابعت: "من أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تقودها مصر مشروع طريق القاهرة–كيب تاون، بطول يتجاوز 10 آلاف كيلومتر، والذي يربط شمال القارة بجنوبها، ويُتوقع أن يُحدث طفرة غير مسبوقة في الربط البري، وتكامل سلاسل الإمداد، وخفض تكلفة التجارة العابرة للحدود".
واختتمت الدكتورة سالي فريد تصريحها قائلة:الرؤية المصرية تجاه إفريقيا في عهد الرئيس السيسي تقوم على التكامل لا التنافس، والتنمية لا الاستغلال. وما نشهده اليوم هو تحول مصر من مجرد دولة جارة للقارة، إلى شريك تنمية استراتيجي يُسهم في بناء البنية التحتية الإفريقية، وتأهيل الكوادر، وتحقيق الأمن الاقتصادي المشترك. هذه شراكة متوازنة، تحقق المصلحة للجميع، وتدفع القارة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وإنتاجًا".
الشباب الإفريقي
من جانبه، قال الدكتور سيد رشاد، مدير مركز المعلومات والاستشارات الإفريقية بجامعة القاهرة، إن مصر، ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية القيادة، وضعت الشباب الإفريقي في قلب استراتيجيتها تجاه القارة، باعتباره القوة الحقيقية لمستقبل إفريقيا، وأهم أداة لتحقيق الاستقرار والنمو والتكامل الإقليمي.
وأكد أن القاهرة تعاملت مع ملف الشباب الإفريقي كأولوية استراتيجية، ففتحت مؤسساتها التعليمية والعلمية والتدريبية أمام الآلاف من أبناء القارة، وسعت لتأهيلهم وتزويدهم بالمهارات والمعرفة، من خلال برامج متنوعة في الجامعات، والأكاديميات، والمراكز المتخصصة، بتمويل ودعم مباشر من الدولة.
وأوضح رشاد أن الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية قامت خلال السنوات الأخيرة بتمويل تدريب أكثر من 10 آلاف شاب إفريقي في مجالات حيوية مثل الأمن القومي، الإدارة العامة، الصحة، المياه، الابتكار، والتحول الرقمي، مضيفًا أن الجامعات المصرية تستقبل سنويًا آلاف الطلاب من دول القارة، يحصلون على تعليم جامعي ودراسات عليا بدعم حكومي، في بيئة علمية وثقافية متكاملة.
وأشار إلى أن مدينة الشباب الإفريقي بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومراكز التدريب في الأكاديمية الوطنية للتدريب، تعد من أبرز المنصات التي دشنتها مصر لتمكين الشباب من لعب دور قيادي في بلدانهم، ضمن رؤية متكاملة تؤمن بأن "تمكين القارة يبدأ من تمكين شبابها".
وتابع مدير مركز المعلومات والاستشارات الإفريقية أن المنتدى العالمي للشباب، الذي يُعقد سنويًا في شرم الشيخ، بحضور وفود من عشرات الدول الإفريقية، تحول إلى منصة عالمية تُسمِع صوت الشباب الإفريقي للعالم، وتعرض طموحاتهم وتحدياتهم، في رسالة حضارية تؤكد أن مصر حريصة على أن تكون حلقة الوصل بين شباب إفريقيا والعالم.
واختتم الدكتور سيد رشاد تصريحه قائلًا": مصر لا تكتفي بالشعارات في دعم الشباب الإفريقي، بل تقدم نموذجًا عمليًا وملموسًا للاستثمار في الإنسان. الرهان المصري الحقيقي في إفريقيا ليس فقط على الموارد أو الأسواق، بل على العقول والطاقات الشابة، ونحن نؤمن أن شباب إفريقيا، بتأهيله وتوعيته، هو حائط الصد الأول في وجه التطرف والجهل والفقر، وهو القوة الناعمة التي ستقود القارة نحو مستقبل مزدهر وآمن".
استعادة الدور
قال الباحث في العلاقات السياسية والدولية د.عمرو حسين إن مصر نجحت في استعادة موقعها الإقليمي والدولي بقوة وفاعلية بعد ثورة 30 يونيو، بفضل رؤية استراتيجية متكاملة قادتها القيادة السياسية، تقوم على استعادة القرار الوطني المستقل، وتفعيل أدوات القوة الشاملة للدولة المصرية.
وأكد حسين أن مصر، التي كانت تمر بحالة من العزلة والتهميش قبل 30 يونيو، أصبحت اليوم طرفًا رئيسيًا في ملفات الأمن الإقليمي، والنزاعات، والتنمية، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، والطاقة، والتغير المناخي، مشيرًا إلى أن القاهرة أعادت رسم خرائط التوازنات في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، بفضل دبلوماسية متوازنة وتحركات محسوبة.
وأوضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قدم نموذجا جديدا للقيادة الإقليمية، يقوم على الاحترام المتبادل، والانفتاح الاقتصادي، والشراكة في التنمية، وعدم التدخل في شؤون الدول، وهو ما أعاد ثقة العواصم الكبرى والمنظمات الدولية في مصر، وفتح أمامها أبواب التأثير من جديد.
وأشار إلى أن عودة مصر لرئاسة الاتحاد الإفريقي في 2019، ودورها المحوري في مبادرات إقليمية كمنتدى غاز شرق المتوسط، ومبادرة إسكات البنادق، ومؤتمرات المناخ العالمية، ومفاوضات المصالحة الفلسطينية، كلها شواهد واضحة على ما وصلت إليه مصر من مكانة.
وأضاف د.عمرو حسين أن مصر تبنت دبلوماسية متعددة المسارات، جمعت بين تحالفات دولية متنوعة (مع روسيا، الصين، فرنسا، الولايات المتحدة، والدول الخليجية) من جهة، وبين تعزيز العمق الإفريقي والتواصل مع دول الجنوب من جهة أخرى، ونجحت في أن تصبح طرفًا يُحسَب حسابه، لا يُتجاوز.
واختتم تصريحه قائلاً :مصر ليست كما كانت قبل 30 يونيو، فقد أصبحت أكثر حضورًا، أكثر اتزانًا، وأكثر تأثيرًا في بيئتها الإقليمية والدولية. والسبب الجوهري في ذلك هو وضوح الرؤية، وثبات القرار السياسي، وتكامل أدوات القوة الناعمة والصلبة في خدمة المصالح الوطنية العليا".