"الأسد الصاعد" مقابل "الوعد الصادق" (2)

17-6-2025 | 12:52

نستكمل ما تناولناه في المقال السابق عن اشتعال الحرب في الشرق الأوسط، وعقب تحليلنا لما تواجهه إيران في تلك المواجهة وما دفع بها لهاوية المواجهة، نتحدث عن إسرائيل وخسائرها التي تتسع والأوهام التي تتهاوى.

فرغم ما تمتلكه إسرائيل من تفوق تكنولوجي عسكري مدعوم بأحدث أنظمة الدفاع والهجوم من ترسانة غربية، فإن الواقع الميداني يكشف هشاشة صورتها في أول اختبار حقيقي لهيمنتها.

فمنذ اندلاع المواجهات المباشرة مع إيران، شهدت إسرائيل تراجعًا في قدرتها على التحكم بالسرد الإعلامي، رغم ترسانة أدواتها في التضليل وتزييف الحقائق.

في المقابل، فإن إيران، برغم الحصار والرقابة، نجحت في توجيه ضربات ذات وقع نفسي مدوٍ، لا من خلال عرض إنجازاتها، بل من خلال كتمانها المقصود، وهو ما عمق وقع الصور والفيديوهات المنقولة والمسربة من الداخل الإسرائيلي.

الصمت الإيراني بدا مؤثرًا، بينما الضجيج الإسرائيلي بدا فاضحًا، يفتقر للسيطرة على المشهد رغم مراكزه الإعلامية المتقدمة.

وبينما نادرًا ما تصل للإعلام صور تظهر الدمار داخل إيران، نجد أن كل ضربة تصيب هدفًا إسرائيليًا تتلقفها عدسات الإعلام العالمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أغلبها لقطات مصورة من مواطنين ومقيمين، تتحول كل يوم إلى مادة استهلاك جماهيري تكشف حجم الهشاشة داخل مدن كانت تُعتبر تاريخيًا بمنأى عن الخطر، مثل تل أبيب، وحيفا، نهاريا، وحتى أطراف القدس.
هذه المدن التي طالما استندت إسرائيل لحمايتها إلى سياسة "نقل المعركة إلى أراضي الخصم"، وجدت نفسها فجأة في مرمى نيران الصواريخ والمسيرات، في تبدل نوعي في قواعد الاشتباك.

أما نتنياهو الذي طالما قدم نفسه كحامي حمى أمن الإسرائيليين وبطل الردع، وجد نفسه أمام أكوام من الرماد والأرقام غير المعلنة، يحاول عبرها إقناع الداخل الإسرائيلي بأن المعركة تحت السيطرة.

إلا أن الصور القادمة من قلب المدن المشتعلة، والملاجئ المكتظة، وصوت صافرات الإنذار المتواصل خلال مؤتمر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، كلها تكشف زيف هذا الادعاء.

وما يزيد الطين بلة أن الجمهور الإسرائيلي لم يعد يتلقى المعلومات فقط من إعلامه الرسمي، بل من مئات القنوات الدولية والمنصات الرقمية، ما أفقد الحكومة قدرتها على صياغة الرواية الرسمية.

الصدمة النفسية والمعنوية داخل المجتمع الإسرائيلي بدأت تطفو على السطح، في صورة لرجل عارٍ يهرول هربًا من القصف، في حين أن الشارع الإيراني، رغم الأزمات، بدا أكثر تماسكًا وانضباطًا إعلاميًا.

في الحروب، كما في السياسة، لا يكفي أن تملك السلاح، بل أن تملك الإرادة والقدرة على إدارة تأثيره.

إذا استمر المشهد بهذا النسق، فإن إسرائيل مرشحة لمزيد من الخسائر على جبهتين: الميدانية والمعنوية. إذ إن كل فيديو لصاروخ يخترق القبة الحديدية، وكل صورة لدمار في مركز تجاري أو حي سكني، تقرب الجمهور الإسرائيلي أكثر من فقدان الثقة بقيادته، وتفتح المجال لمعارضة أكثر شراسة، وشكوك أعمق في جدوى المغامرات العسكرية التي يخوضها نتنياهو في محاولاته لتحقيق مجد شخصي.

وإذا كان تلاعب نتنياهو بالحقائق قد نجح سابقًا بادعاء نصر وهمي، فإنه اليوم ينكشف أمام مسلسل خسائر حقيقية.

وبات الردع، الذي طالما اعتمدت عليه إسرائيل، مهددًا، لا فقط بالصواريخ، بل بـ "وعي شعوب".

تكشفت فيما نقلته نيويورك تايمز بأن البيت الأبيض (ترامب) دعم هجوم إسرائيل، لكنه في الوقت ذاته عرض "فرصة ثانية" للطرف الإيراني للعودة للتفاوض، ووفق جيروزاليم بوست، فإن هذه التسريبات متعمدة داخل الإعلام الدولي، تشمل صورًا ومقاطع صوتية لترامب وهو يرفض ضرب إيران، لإيهام إيران بعدم تواطؤ واشنطن مع الهجوم، بينما كان ترامب وغالبية القيادة الأمريكية على علم وترحيب فعلي.

فكأن ترامب، يناور بين جناحي الحرب والسلام، سمح للهجوم بأن يتم عمليًا، ثم انسحب إعلاميًا، كأنه يلوّح لطهران بفرصة تفاوض ثانية، بينما يترك نتنياهو يواجه العاصفة وحده، وهذا الانفصام المتعمد في الخطاب، ويعكس تناقضات الإدارة الأمريكية التي تريد أن تضرب دون أن تتحمل الكلفة السياسية أو على الأقل تحافظ على مكتسباتها من أصدقاء الخليج.

وتظل التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران بشأن المنشآت النووية هي الجوكر الذي لن يكسب باستخدامه أي طرف، وتعيد إلى الأذهان عقيدة شمشون: "عليّ وعلى أعدائي"، فرغم كل هذا الضجيج، تبدو الفكرة أشبه بالانتحار الجماعي.

فاستهداف مفاعل نووي إيراني أو منشأة إسرائيلية لا يعني مجرد رد عسكري، بل انفجار إقليمي غير قابل للاحتواء، لن ينجو منه أحد، بما في ذلك القوى الكبرى؛ ولذلك، ما يقال إعلاميًا من الطرفين لا يزال حتى اللحظة بعيدًا عن التنفيذ.

وبات ما نراه اليوم هو صراع استنزاف نفسي ومعنوي، أكثر من كونه معركة مصيرية، وبدأ العالم يدرك أن "الأسد الصاعد" قد يملك المخالب، لكن "الوعد الصادق" قد يملك صبرًا أطول، وسنرى من منهما يملك نفسًا أعمق يمكنه من النجاة من الغرق في طوفان تلك المعارك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مها سالم تكتب: فلك نوح في الغربية

هل فكرت يومًا في موقع سفينة نوح أين تقبع الآن، هل بحثت عن معنى النجاة وسط طوفان غير مرئي إلا لقائد السفينة، هل يمكن العطاء يخرج من رحم المعاناة

مها سالم تكتب: ياسر رزق .. وترجل الفارس عن جواده

أصبح الجميع يتهرب من كلمات العزاء والمواساة، فالمصاب الأليم دخل كل بيت وليس خافيًا أننا نعيش عصر وباء وابتلاء، ليظل الموت هو المعلم الأول