هذا الأسبوع وقبيل امتحانات نهاية العام، فوجئ المدرسون والطلاب وأولياء الأمور بتعليمات من وزارة التعليم بالسماح للمحافظات بتغيير مواعيد الامتحانات النهائية لجميع السنوات وتبكير موعدها عدة أيام قليلة عن الموعد المسبق والمعلن منذ بداية العام الدراسي.
كان مبرر الوزارة لقرار التعديل هو نظرًا للاحتياج لتجهيز اللجان والمدارس لعقد امتحانات شهادة الدبلومات الفنية التي تقرر تبكير موعدها أيضًا؟ وهي امتحانات تتم على المستوى القومي مثل شهادة الثانوية العامة؛ لأنها شهادة لإتمام المرحلة الثانوية، وهذا التعديل للمواعيد يثير عدة تساؤلات منها هل عدد الطلاب بالثانوي الفني زاد فجأة أثناء العام الدراسي؟ ولذلك اكتشفت الوزارة أنها تحتاج إلى مدارس ولجان إضافية لعقد الامتحانات هذا العام، الإجابة متوافرة ضمنًا في خطوة تعديل المواعيد لأغلب سنوات النقل من الابتدائي حتى الإعدادي والثانوي، وحتى تتفرغ المدارس والأماكن لامتحانات الدبلوم أولًا، ثم الثانوية العامة التي لم يتغير موعدها أسوة بباقي السنوات والشهادات؟
هذا الاضطراب والتعديل للمواعيد ربما يمكن تفسيره باستمرار النظرة إلى التعليم الفني، وبأنه في مرحلة أدنى من الثانوية العامة، وهو الأمر الذي يستوجب تغييره وتصحيحه، ومنها عدم تغيير المواعيد وإجراء الدراسة الدقيقة للأعداد والأماكن منذ بداية العام الدراسي وقيد الطلاب به لاسيما في ضوء إعلان الوزارة المتكرر عن التزامها بالخريطة الزمنية للدراسة التي أعلنتها نفس الوزارة قبيل بداية العام الدراسي نفسه في سبتمبر الماضي؟
ويصبح التساؤل منطقيًا عن عدم الالتزام بهذه الخريطة وبالمواعيد التي أعلنت مسبقًا؟ وهل لم يكن مخططًا مسبقًا لها منذ بداية العام الدراسي عدد لجان امتحانات الدبلوم الفني، وأماكنها بما يتناسب مع عدد الطلاب به أسوة بطلاب شهادة إتمام الثانوية العامة، فكلا الفرعين يمثلان فروع الشهادة، وليس فرعًا واحدًا؟ هذا يتطلب نظرة جديدة إلى التعليم الفني وقراءة النص الدستوري والذي، ولأول مرة، يتضمن مادة خاصة بالتعليم الفني هي المادة ٢٠، وتنص على تطويره والاهتمام به.
ومن هنا فإن الارتباك والتغيير في المواعيد المعلنة مسبقًا للخريطة الزمنية في بداية العام الدراسي، قد يعطي إشارة أن التعليم الفني ليس بأولوية امتحانات الثانوية العامة، رغم زيادة عدد طلاب الفني واقتراب النسبة من التساوي بين الفرعين في السنوات الأخيرة، مما يزيد من التساؤل حول درجة أهمية التعليم الفني، أن جروبات أولياء الأمور أعلنت أن وزارة التعليم طلبت منهم في أوائل الشهر الحالي الإجابة عن استبيانات رأي من الطلاب وأولياء الأمور بالشهادة الإعدادية، التي يتم تحديد مسار الطالب من خلالها، وتطلب الرأي، وبأي نوع من التعليم الثانوي العام سيلتحق به؟
ففي ورقة الاستبيان التي تداولها أولياء الأمور، ويخير فيه الطالب بين الدراسة بالثانوي العام، بأيهما يفضل الطالب وأسرته هل هو دراسة النظام الحالي المهيكل أصلًا للثانوية العامة أم نظام البكالوريا؟ ورغم التحفظ المنطقي على مضمون الاستبيان؛ لأنه يسأل فقط على الثانوية العامة المعدلة في بداية العام الدراسي الحالي، التي تم بها إلغاء مواد دراسية مثل اللغة الثانية من المجموع، أو إلغاء دراسة الاجتماع والفلسفة من القسم الأدبي، وبين نظام البكالوريا، والتي ما زالت نظامًا يندرج تحت بند الاقتراحات، وما زال عليه تحفظات كثيرة، ولم يدخل إلى المجالس النيابية لمناقشته تفصيلًا؛ لأن أي تعديل على نظام وسنوات الدراسة بالثانوي يتطلب تعديلًا تشريعيًا، وليس كما في المقترح الذي طبقته الوزارة منذ شهور، وبتعديل عدد مواد الدراسة في بداية العام فلم يحتج إلى تشريع.
أما التعديل في نظام وسنوات الشهادة نفسه فيحتاج إلى إجراء تشريعي، أي أن الوزارة تطلب الرأي حول نظامها الذي عدلته بنفسها أو النظام المقترح منها أيضًا للتطبيق مستقبلًا؛ أي نظامًا في علم الغيب، والذي يطلق عليه البكالوريا، وهو ما وصفه خبراء التقويم والتربية كيف أسأل وأطلب الرأي حول مجهول لم يعرفه ويختبره الطلاب وأولياء الأمور، ولماذا لم تضع الوزارة طلب الرأي بين الثانوية ويطلق عليها القديمة وبها ما يقرب من ١٠٠ ألف طالب وطالبة سيتم إجراء الامتحانات لهم بعد شهر ونصف من الآن، وبين طلاب الثانوية المهيكلة أيضًا؟ على الأقل يعرف الطلاب والأهالي الثانوية القديمة وتم اختبارها والمرور بها سنوات طويلة.
ولكن ما يثير الدهشة أكثر أن ورقة الاستبيان لم تذكر كلمة التعليم الفني في حرية الاختيار؟! مع أن أكثر من ٥٠٪ من طلاب الإعدادية أي أكثر من ٢ مليون طالب وطالبة يلتحقون بهذا النوع من التعليم الذي أطلق عليه التعليم "المنسي" لأنه تعليم أغلب من يلتحق به هم من الطبقات الأدنى للمجتمع، بعضهم لأسباب مادية والاكتفاء بشهادة الدبلوم فقط، والبعض هروبًا من تكلفة التعليم الثانوي العام ودروسه، ومن ثم طريق الالتحاق بالجامعة، لأن التعليم الفني لا يؤهل للقبول مباشرة بالجامعات، وإنما يتاح نسبة ١٠٪ فقط من أعداد طلابه، بما فيهم الأوائل لأداء امتحان مركزي بالجامعات بعد شهادة الدبلوم يسمى امتحان مسابقة، للالتحاق بالجامعات الحكومية، وفي تخصصات محددة ويتاح بمكتب التنسيق الالتحاق بالمعاهد، بجانب ما تم مؤخرًا من إنجازات حقيقية بالخطوة المحمودة للتوسع في المدارس التكنولوجية التطبيقية، والتي ارتفع عددها في العام الماضي إلى ٧١ مدرسة بعدما كانت ٣ مدارس عام ٢٠١٨، وزاد الاهتمام أيضًا بافتتاح الكليات التكنولوجية لقبول نسبة أكبر من طلاب التعليم الفني للالتحاق بها، ولكن بعضها يعمل بنظام ٢،٢ أي عامين ويمكن للطالب التخرج أو يكمل الدراسة إلى العامين الأخيرين، ويحصل على المؤهل العالي، ولكن بعد العامين الأولين يحصل على دبلوم فوق المتوسط، وتطالب بعض الآراء الأكاديمية والتربوية بمساواة سنوات الدراسة مباشرة بأربع سنوات، أسوة بالجامعات وللقضاء على مشكلة وأزمة الشهادة العليا التي تواجه خريج التعليم الفني والتكنولوجي.
التعليم الفني يحتاج في تطويره إلى خطط تعليمية وتربوية تراعي الأبعاد الاجتماعية بجانب سوق العمل، في ضوء النص الدستوري في ضرورة الاهتمام الحقيقي به.