ورثت مصر تراثًا هائلاً من التقاليد على مر العصور، خاصة طقوس شهر رمضان، وترسخت تلك التقاليد والعادات في استقبال شهر الخيرات، ولطالما كان الاحتفال برمضان في مصر ذا طابع خاص؛ متفردًا عن باقي شعوب العالم الإسلامي، حيث كان المصريون يحتفلون به أيما احتفال، فتضاء الطرقات وتعلق الزينات وتزخر شوارع مصر بالطقوس الرمضانية العامرة بالأصالة .
حرص الرحّالة والمؤرخين العرب والمسلمين الذين زاروا مصر منذ العصور الوسطى على رصد اختلاف حياة عامة الناس في هذا الشهر تحديدًا عن غيره من الشهور، وأعربوا عن دهشتهم من عادات وطبائع يسبغها المصريون على هذا الشهر، من فرح عارم باستطلاع هلاله وحزن غامر مع قرب انتهائه.
ناصر خسرو ورمضان عند الفاطميين
أما ناصر خسرو الرحالة الفارسي الذي زار مصر فى القرن الخامس الهجرى، فقد وصف الثريا التى أهداها الخليفة الحاكم بأمر الله إلى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط في شهر رمضان بأنها كانت تزن سبعة قناطير من الفضة الخالصة، وكان يوقد به فى ليالى المواسم والأعياد أكثر من 700 قنديل، وكان يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض وما إن ينتهى شهر رمضان حتى تُعاد تلك الثريا والقناديل إلى مكان أعِد لحفظها فيه داخل المسجد، كما أن الدولة فى ذلك الوقت كانت تخصص مبلغـًا من المال لشراء البخور الهندى والكافور والمسك الذى يُصرف لتلك المساجد فى شهر الصوم.
المقريزي من أيام المحمر والمشمر لليالي الكعك
يذكر المؤرخ المصري “تقي الدين المقريزي” تسمية ليالي رمضان في مصر بأنها (ليالي الوقود)؛ نسبة إلى كثرة الإضاءة المنتشرة في شوارع مصر والقاهرة تحديدًا.
وقسّم المصريون قديما رمضان لثلاثة أقسام، فالعشرة الأوائل كانوا يطلقون عليها (ليالي المرق) نسبة إلى اهتمام المصريين بالموائد والعناية بالأطعمة، فلا تخلو مائدة من موائد المصريين إلا وامتلأت عن آخرها (بالمحمر والمشمر) ثم يتلو عشرة المرق بعشرة (ليالي الخرق)، أي ليالي شراء ملابس العيد والألبسة الجديدة، أما العشرة الأخيرة فتسمى (ليالي الكعك)، حيث تتشارك النساء في مصر في صناعة كعك العيد والبسكويت وغيره من الحلويات.
ويصف المقريزي الولائم الفاطمية الرمضانية العامرة فيقول:"ويهتم بذلك السماط اهتمامًا عظيمًا تامًا، بحيث لا يفوته شيء من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائقة، وهو مبسوط في طول القاعة، ممتد من الرواق إلى ثلثي القاعة، والفراشون قيام لخدمة الحاضرين، فيحضرون الماء المبخر في كيزان الخزف إلى الحاضرين، ويستمر ذلك إلى العشاء الآخرة".
ابن بطوطة وموكب رؤية الهلال
أما الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، في رحلته لمصر في رمضان 727 هجريا، وصف استطلاع هلال رمضان في مدينة أبيار بوسط الدلتا عندما مر عليها فيقول:"ولقيت بأبيار قاضيها عز الدين المليجي الشافعي، وهو كريم الشمائل كبير القدر، حضرت عنده مرة يوم الركبة، وهم يسمون ذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقف على الباب نقيب المتعممين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه، تلقاه ذلك النقيب، ومشى بين يديه قائلاً: بسم الله، سيدنا فلان الدين فيسمع القاضي ومن معه فيقومون له ويجلسه النقيب في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك، ركب القاضي وركب من معه أجمعون، وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبسط والفرش، فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره، ثم ينصرفون هكذا فعلهم في كل سنة،
ابن الحاج ذكر ابن الحاج في كتابه "المدخل" أن المدن المصرية في عصر المماليك اختلفت في طريقة التسحير، وجرت العادة أن يطوف أصحاب الأرباع وغيرهم بالطبلة على البيوت وهم يضربون عليها، وكانت من عادة المصريين في ذلك العصر تعليق الفوانيس، وأيضا عدم خروج المرأة ليلا في شهر رمضان أو غيره إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوسا مضاء ليعلم المارة بأن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق، وفقا لما ذكره الكاتب فؤاد مرسي في دراسته "معجم رمضان"
«الرحلة العياشية» ترصد استقبال عيد الفطر
ويصف عبدالله بن محمد بن أبي بكر العياشي الرحالة المغربي الذي زار مصر أكثر من مرة في كتابه "الرحلة العياشية" الملاحظات اليومية التي في القاهرة خلال شهر رمضان فيه، فذكر أن قاضي الشافعية صعد مع الشهود العدول في ليلة الثلاثين إلى أعلى المئذنة، ويعني بذلك مئذنة مسجد المنصور قلاوون بالنحّاسين، وبقي الجميع فوقها من قبيل الغروب حتى انتشر الظلام، فلم يروا شيئاً، فأوقدوا المصابيح في المئذنة كما هي عادتهم في ليالي الشهر كلها، فعلم الناس أن الغد من رمضان، وكذبت أقوال المنجمين، كما أشار العياشي إلى الاهتمام بالسحور، وكان التسحير في غير الجوامع يتم بواسطة الطبلة المعروفة الآن، يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت، ويضربون عليها
وختاما يظل شهر رمضان عاما بعد عام دافعًا لإبراز الكثير من المعاني في الوجدان المصري من العبادات والفروض الدينية، مبرزًا للكثير من التجليات الفنية والمظاهر الاحتفالية، التي أصبحت وثيقة الصلة بروح الشهر وعلامته الدالة عليه في مصر وربوعها، من إقامة الولائم وترديد الأغنيات والأهازيج والابتهالات وتعليق الفوانيس والزينة وانتشار موائد الرحمن الجماعية وإحياء الأمسيات الدينية في عموم المساجد.