أسمع صوتك الهادئ الآن تطمئنني وتقول إنك كنت محتاجًا أن تترك هذا الجسد وتعلو عن الأرض منذ سنوات، ولولا صبرك غير المحدود لكنت تعجلت الرحيل منذ زمن، أرى الآن ابتسامتك تعلو وجهك الطيب تقول: اليوم أضحك مع الأحبة، أحكي مع نجيب محفوظ، وأستمع لحكمة تشيكوف، أبدأ يومك بمصاحبة صوت الشيخ محمد رفعت، وأنهيه مع صوت ثومة، أقرأ رواياتي المفضلة بتركيز أكبر وأكتب ملاحظاتي وخطط عملي بأقلامي الرصاص المفضلة على الورق الأبيض كما اعتدت منذ زمن، ولا زلت أحلم بمركز دراسات لأدب نجيب محفوظ، ولا زلت أشعر بأنني يمكنني أن أبحث وأقدم أكثر بكثير مما قدمت له، الآن أشاهد أفلامي القديمة، وأكتب عن نجومي المفضلين، واستمتع بالشتاء الطيب دون ضغوط أو منغصات الحياة والسياسة والناس.
اليوم لن يزعجك الجسد الواهن إذا حرمته من تدخين سجائره المفضلة، أو لم تتمكن من صنع قهوتك المميزة لنفسك ولمن تحب بطريقتك الخاصة داخل الكنكة الصغيرة على السبرتاية النحاس، لن يجبرك أحد على الحقن بمحاليل التغذية التي تمردت طويلاً عليها أو العزلة بين علب وزجاجات الدواء الذي لم يعد يجد أمام قلب وجسد أتعبتهم كثيرًا فتمردوا عليك.
اليوم حرية أكبر وبراح وطمع متاح بالإنجاز والمزيد والمزيد من الكتابة والقراءة وتقديم خبرة السنوات فى كتب تحلل وتفسر وتفكك وتركب موزاييك الأدب مع السياسة بجوار الفن المتلامس مع الاقتصاد والثقافة، وتصنع خلطتك الخاصة في كتب لم يسبقك إليها أحد حتى لو كانت قراءة بأدب وأعمال أدباء أو كتاب وفنانين غيرك، فابن المنيا المبدع متعدد المواهب فهو الباحث الأدبي والسياسي الدؤوب ذو العقل المنظم والذاكرة الحديدية، وهو دارس وكاتب عن العلوم الاجتماعية الممزوجة بالأعمال الفنية والدرامية لكبار الكتاب، وهو الروائي رفيع المستوى القادر على مزج كل هذا بحرفية وتكثيف ومهارة؛ لينتج عملًا ببصمته لا يستطيع أمامه أي قارئ سوى الإعجاب وإعمال العقل أو التحفيز لمزيد من القراءة والبحث.
كنت تقول "إن الله أعطاك ما يجعل كل الأغنياء بجوارك فقراء"، فكم غني يسير على النيل فيشعر بامتلاكه له؟ وكم غني يعرف تاريخ كل قصر في بلده. وكم محظوظ شعر بامتلاك النواصي والمقاهي؟ صاحب الأشجار وكلم القمر، وتحدث بلطف مع الشمس لتخفف حدة حرارتها الصيفية ولا تزعجه، وقت تمشيته وهو يفكر في كتاب أو بحث جديد، نمشي بجواره فيشير بحب لباب خشبي عتيق يذكره بقريته المحببة بالمنيا، ويحكي عن صديق قديم يحتفظ بمودته له رغم الحل والترحال وذكريات يمزجها بوعي كبير وفهم؛ ليكتبها في موسوعات وقصص يغزل بها العام بالخاص وينتج تاريخًا أدبيًا موثقًا لنفسك ولأكابر الكتابة المصريين والعرب، كثيرًا ما تحكي بروح شاب صغير عن آمال لم تتحقق رغم الكثير جدًا الذي أنجزته بدأب غير مسبوق وإنتاجك الضخم شاهد ولا يخفى عن القريبين منه إحساس المرارة أحيانًا من صعوبة الحياة على شخص أعطى الكثير ويستحق الكثير لكنه لم ينل من المؤسسات المعنية ما يليق به سواء أدبيًا أو ماديًا.
بعض الرثاء أنانية وكل الفقد احتياج.. فنحن لا نرثي من رحل قدر رثاء حبنا لهم وحرصنا على وجودهم بجوارنا،، عندما صدمني الخبر الصعب بغياب جسد أستاذ مصطفى عنا بكيت كثيرًا وأنا أسأل نفسي هل حقًا غاب؟ هل سأفتقده فعلاً؟ ألن يمكننى مجددًا التحدث معه لساعات متصلة أسأله واستشيره في كل صغيرة وكبيرة في عملي وحياتي الخاصة أو العامة أو أطلب رأيه في أسرار أو مواقف لا أحكيها لغيره وأنا على يقين أنني آمنة مهما أفصحت، وأنه يعرفني أكثر من نفسي، وأن نصيحته لي هي الصواب، وكثيرًا كنت أمر بضيق فأذهب إليه أو أتصل حتى به أحكي وأسمع لتتبدل حالتي بمشاركته وحنان أبوته الممزوجة بحكمة ورزانة تأخذ بيدي وتطمئن نفسي.
فقداني اليوم أكبر من خسارة ثقافية وأدبية لأديب كبير وقامة ثقافية عظيمة لكنه بالفعل إحساس جديد بيتم من نوع آخر، فقد يجد البعض القسوة من أسرته الحقيقية أو قد يغيب الأهل أو يرحلون، لكن أقدارنا تهدينا وتعوضنا بمن يحبنا دون شروط، ويكون بجوارنا دون ألقاب عائلية أو التزام اجتماعي، فنصدق هذا ونتصرف على أساسه فيصبح وجود شخص واحد هو (العائلة) دون ترتيب منا أو محاسبة، طوال سنوات لا أتذكر عددها وأيام ومواقف يصعب على رصدها احتل فيها أستاذ مصطفى الصدارة عندي فكان الأب الطيب أحيانًا والصديق المخلص دائمًا والأستاذ صاحب النصيحة والنظرة الثاقبة كثيرًا، والقريب من القلب ومن الأسرة الصغيرة عندي غير أنني لم أشعر مرة بالاغتراب بين أسرته الدافئة أو حتى وجود الحدود مع أستاذ كبير جمعني به العمل أحيانًا والمودة دائمًا.
لم استغرب أنه اختار لحفيدته الأولى اسم ابنتي "لارا" التي سبقتها للحياة بعدة سنوات والتي اعتبرها حفيدته الأولى قبل أحفاده، واعتبرته هي جدها الطيب الذي لم يمنحها القدر رؤيته، فكان يأتيها كثيرًا بأنواع الحلوى أو الكيك المفضلة عندها، ويقول لي بحنان اسمحي لها اليوم ببعض المخالفات طالما أنا موجود، ورغم المرض والعزلة الطويلة والغياب حتى وتقليل الاتصال كي لا نضيف إليك أي جهد، كان لدي اليقين أنك موجود، وأشعر بالأمان لأنك بيننا وقتما نريد رؤيتك سنجدك، ووقتما نحتاج إليك فأنت هنا، حتى لو مرضت فهي فترة ستنتهي منها بصبر جميل وإيمان راسخ كما عودتنا دومًا.
بدموع لم تنقطع وحزن كبير أقول لك أستاذ مصطفى إنك كنت وستظل بيننا (موجود) وفراغ غيابك لن يملؤه غيرك؛ سواء بعلمك أو بعملك أو بانسانيتك أو بوجودك الثري بحياتنا وقلوبنا.