أدب الاغتراب المعاصر

4-1-2025 | 14:08

أدب الاغتراب أدب قديم؛ عُرف في بداياته بأدب المنفَى، حيث كان نوعًا من أدب التأسِّي والحنين للوطن، كقصائد (محمود سامى البارودى) التي كتبها في سريلانكا، وأندلسيات (أحمد شوقي) التي كتبها في منفاه ببرشلونة، وأزجال (بيرم التونسي) الحزينة في باريس وليون بفرنسا.

 وخلال فترات القلاقل السياسية التي واكبت الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين، حدثت موجات من النزوح والهجرة، وآثر الأدباء المنكوبون والمعوزون والمضطهدون أن يهاجروا إلى أمريكا، أرض الأحلام. وهناك أنشأ بعض الشعراء كيانًا أدبيًا أسموه (الرابطة القلمية) ليستوعب أدباء أمريكا الشمالية، في حين أنشأ شعراء آخرون كيانًا شبيهًا في أمريكا الجنوبية تحت اسم: (العصبة الأندلسية).

تلك بدايات أدب المهجر الذي أحدث هزةً في الأوساط الأدبية في مصر والمشرق، ليس فقط بسبب ثراء محتواه وغزارة إنتاجه، لكن أيضًا بفضل حسن تنظيمه وتبنيه للاتجاهات الحداثية في الشعر كالاتجاه الرومانسي الذي ساد أوروبا خلال فترات سابقة، هكذا ظهرت "مدرسة المهجر" كاتجاه شعري وتيار أدبي منفصل، وله خصائصه وسماته التي تميزه، وهكذا عرفت الذائقة الأدبية أشعار (إيليا أبوماضي) و(ميخائيل نعيمة) و(جبران خليل جبران).

استمر الاضطهاد السياسي، واستمر نزوح الأدباء الشوام.. فكان منهم (أدونيس) و(نزار قباني) و(محمود درويش).. ثلاثة من عمالقة الشعر في القرن العشرين، أثارهم الاضطهاد، وأثْرتهم الحرية وأثرت أعمالهم بفيوض المعاني.

لم يقتصر نزوح الأدباء على الشعراء، فقد كانت هناك طائفة أخرى من الروائيين والناقدين وكتاب القصة والمسرح المغتربين.. (محمود السعدني) مثلًا عاش حياته مطاردًا مكروهًا من كل الأنظمة العربية في تلك الفترة بسبب قلمه اللاذع، كما اختار الروائي السوداني (الطيب صالح) حياة الغربة والارتحال، التي بدأها بروايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال"، والتي يبدو أنها بشّرت بارتحاله هو إلى بريطانيا.

والسؤال الذي قد يراودك هنا: هل هناك وجود لأدب المهجر اليوم؟ والإجابة نعم، بل هو أقوى وأغزر مما كان في الماضي.

غربة الكاتب العربي...
تحدث الدكتور حليم بركات أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة ميتشجن عن عدد من المفكرين والأدباء العرب الذين عرفهم وعاصرهم، وعن غربتهم الداخلية والخارجية، وبدأ حديثه في هذا الكتاب بالشاعر أدونيس، الذي ما كاد يغترب في بلد مجاور هو لبنان، بعد تجربة السجن المريرة، حتى كتب ديوان (أوراق في الريح) الذي عبّر فيه عن مأساة المغترب، وعندما تناول اغتراب الفكر الفلسطيني تحدث عن تجربة المفكر هشام شرابي، مؤسس مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون، والصداقة التي جمعتهما معًا، وكيف أنهما التقيا يومًا بأدونيس في صيف عام 1982 يتساءل ثلاثتهم كيف يسير الناس في البلدان العربية بارتياح وهدوء هكذا رغم الاجتياح الإسرائيلي للبنان؟! وقرروا حينئذٍ إنشاء كيان هو "منظمة حقوق الإنسان العربية" وقاموا بدعوة عدد من كبار المفكرين والشعراء العرب كان من بينهم: (أحمد عبدالمعطي حجازي، وأحمد بهاء الدين، وسعد الدين إبراهيم، ونوال السعداوي، وكمال أبوديب وآخرون)، وكان حليم بركات قد قام قبل ذلك بإصدار مجلتي: (آفاق) و(مواقف) مع الشاعر أدونيس، ثم قام بإنشاء (المؤسسة الثقافية العربية) و(آلف جاليري) في واشنطن، مما يشير إلى أهمية إقامة مثل تلك الكيانات الجامعة لأنشطة المثقفين والأدباء من المغتربين.

وكما أن هناك غربة إجبارية لبعض الأدباء كالشاعر (محمود درويش) الذي تنقل بين عدد من البلدان العربية والأوروبية حتى استقر في باريس.. اختار أدباء آخرون غربةً اختيارية مفضلين الكتابة في المهجر على الكتابة الروتينية الكئيبة في أرض الوطن، مثلما حدث مع الشاعر (أحمد عبدالمعطي حجازي) الذي عاش في باريس عدة سنوات، كتب فيها عددًا من أجمل قصائده.. ففي ديوانه: (مرثية للعمر الجميل) يقول في قصيدة:

"مسافرٌ أبداً"
أسافر الليلةَ فجأة..
ولا أرجو السلامة!
أعبر تحت الناطحات.. تحت ظلِّ المركبات
بما تبقّى من فؤادي من ثبات
وفي خيالي من وسامة
أمسح هذه المناظر المقامة
حتى يلوحُ مأمني في القاع
رطْباً متكسّرَ الشعاع
ويصهل الجوادُ عالكًا لجامه!
أعبرُ أرضَ المدنِ الشمّاءِ باديَ الجهامة
أطفو على ليلاتها الزرقاء أشدو في الطريق
أمنحُ قلبي كل يومٍ لفتاةٍ.. أو صديق
لكنني أأبَى الإقامة!

مضى حليم بركات في كتابه يستعرض الغربة التي يستشعرها في كتابات طائفة أخرى من الأدباء العرب أمثال: (عبدالرحمن منيف) و(جبرا إبراهيم جبرا) و(الطيب صالح) و(إدوارد سعيد) و(سعد الله ونوس) و(مروان قصّاب).. تحدث عن الاشتياق للحرية في ظل الاضطهاد والتسلط، وعن بحث الأديب عن دوره المجتمعي الفاعل وهويته الثقافية مع هامش الحرية التي يتمتع بها في الغرب.

ورغم أن الكتاب أسهب في الحديث عن طائفة محددة من الشعراء والأدباء والمفكرين، وعن مآلات الغربة في أدبهم، لم يتطرق كثيرًا للنشاط الأدبي المهجري بصورته الأكثر اتساعًا؛ إذ لم يعد أدب المهجر مقصورًا على الأمريكتين، لقد اتسعت دائرة الهجرة، واتسعت معها رقعة النشاط الأدبي، وإن كان لا يزال مجهولًا لدينا في المشرق العربي!!

ألمانيا على سبيل المثال شهدت نشاطاً أدبيًا كبيرًا منذ الثمانينيات، تَمثَّل في المجموعة الأدبية التي أسسها الروائي السوري (رفيق شامي) تحت اسم "الريح الجنوبية"، واتحاد الفنانين الأجانب -أى المغتربين، وقد أصدر مع زملائه 13 مجلدًا تحتوي على مختارات من أدب الكُتّاب المغتربين خلال تلك الفترة، ولم يقتصر نشاط تلك الطائفة من الأدباء على الأدب المقروء، بل أصدروا عدة أشرطة كاسيت في مختلف فروع الأدب كالسيرة الذاتية والشعر وأدب الأطفال.

هناك شعراء وأدباء آخرون مقيمون في ألمانيا منهم مثلاً الشاعر العراقي خالد المعالي، والذي لا يرى أن شعره ينتمي لأدب المنفى، وأنه يكتب بشكل مستقل حر، ولا يرى أهمية كبرى في تشكيل حركة تضم أدباء المهجر، وهو رأي الكثيرين من أدباء المهجر من أنصار الفن للفن، فهم يكتبون لأنفسهم وذواتهم ما يمكن أن يُدعى أدب التطهر.

في كندا هناك طائفة من الأدباء مثل الشاعر الكويتي (محمد جابر النبهان)، والشاعرة السورية (جاكلين سلام).. فالمرأة لا تغيب أبدًا عن المشهد الثقافي؛ سواءً في الداخل أو في الخارج.

أستراليا أيضًا شهدت نشاطًا أدبيًا واسعًا منذ فترة طويلة قد تصل إلى نصف قرن! فالبعض يؤكد أن عدد الصحف والمجلات العربية التي صدرت في أستراليا منذ 1957 يصل إلى مائة جريدة ومجلة! بالإضافة لعشرات الكتب والدواوين والمؤلفات الأدبية بمختلف أنواعها واتجاهاتها، إلى جانب تأسيس رابطة تدعى: (رابطة إحياء التراث العربي) عام 1981. وقد أصدرت الدكتورة (هدى صحناوي) كتابًا اعتبرت فيه الشاعر والروائي المغترب (قصي الشيخ عسكر) رائدًا من رواد الأدب المهجري المعاصر في استراليا. مدللةً على رؤيتها تلك بمناقشتها لنصوصه الشعرية وتجربته الأدبية الدسمة.

إذن نحن أمام نشاط أدبي متشعب ودائم في كل مكان يقيم فيه العرب، فلماذا لا نلحظه هنا؟!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: