كانت نهاية الحضارة المسلمين في الأندلس بسقوط مملكة غرناطة آخر معاقل هذه الحضارة العظيمة في مثل هذا اليوم الثاني من يناير عام 1492م/ الأول من ربيع الأول 897هـ، لتغرب شمس الحضارة الإسلامية عن إسبانيا والبرتغال بعد أن دامت هناك لثمانية قرون من الزمان.
موضوعات مقترحة
كانت الأندلس جنة العرب وفردوس المسلمين المفقود، ومثلت أحد معابر انتقال الحضارة والعلوم إلى أوروبا المظلمة.
بدأت هذه الحضارة منذ الفتح الإسلامي لتلك البلاد عام 711م/ 92هـ ، وخلال تلك القرون الطويلة وقعت العديد من الأخطاء والكوارث أدت في نهاية المطاف لنهاية هذه الحضارة الساحرة، وهذه هي الأسباب :
اضطهاد الفاتحين
إضطهاد وقتل الفاتحين في عام 716م، قام الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بإضطهاد فاتحين الأندلس الثلاث: موسى بن نصير، وطارق بن زياد، وعبد العزيز بن موسى بن نصير، وعن تلك الوقائع يقول مؤرخ المغرب والأندلس أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري في موسوعته "البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب"، بأن سليمان بن عبد الملك نكب موسى بن نصير وطارق بن زياد، ثم أمر بقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير وحُملت رأسه إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك، فعرضها على والده موسى بن نصير قائلاً: «أتعرف هذا؟»، فقال: «نعم أعرفه صوّامًا قوّامًا، فعليه لعنة الله إن كان الذي قتله خيرًا منه»، وأما طارق بن زياد فبقي مصيره مجهولاً، فقيل أنه قتل، وقيل أنه أصبح متسولاً في آخر حياته، ويعتبر اضطهاد الفاتحين خطأ كبيرًا فقد كانوا قادرين على فتح مساحات أخرى بعد الأندلس، وكان موسى بن نصير يملك مخطط كامل لفتح أوروبا والوصول للقسطنطينية من الغرب.
كانت هذه الخطوة كفيلة بأن يقوم القوط الإسبان بتجميع قواتهم بزعامة بلايو، الذي اعتصم مع 30 نفرًا في أقصى الشمال الغربي لإسبانيا، وأعلن تكوين أول إمارة إسبانية، وبدأت في عهده أول الخطوات لحرب الاسترداد ضد العرب والمسلمين، وبعد 800 عام من الحروب والصراعات، سقطت الأندلس على يد أحفاد هذا القائد بلايو.
الهزيمة في معركة بلاط الشهداء
لقد وصل المسلمون في فتوحاتهم إلى جنوب فرنسا، وباتوا على بعد 80كم من باريس، لكن في عام 114هـ/ 732م وقعت معركة بلاد الشهداء وسط فرنسا بين الجيش الأموي بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي، وبين جيش بلاد الغال بقيادة شارل مارتل، إمبراطور الكارلونجيين، والتي انتهت بهزيمة كارثية أدت إلى إنسحاب الأمويين وسقوط المناطق التي كانوا يسيطروا عليها في بلاد الغال (فرنسا).
وأما أسباب الهزيمة فهي كثيرة، وأهمها أن عبد الرحمن الغافقي لم يتبع أسلوب من سبقه من الولاة في أن السيطرة يجب أن تكون بالتدريج لاختلاف طبيعية الحكم وقوته في بلاد الغال عن بلاد القوط، وكذلك لعدم دراسة مناخ بلاد الغال ووعورة مسالكها، وأيضا نتيجة الابتعاد عن قواعد تموين الجيش في قرطبة، وكانت مناطق بلاد الغال تشكل حاجزا يحمي الأندلس، وأدى انشغال المسلمين بالغنائم في تلك الموقع إلى اضطراب صفوف الجيش، فحدثت ثغرة، تمكن خلالها الفرنجة من مقتل الغافقي، وباستشهاده تهاوى الجيش، وعاد أدراجه إلى الأندلس.
عدم القضاء المُبرم على الممالك الإسبانية
بقيت في شمال الأندلس، كما أوضحنا، ممالك إسبانية صغيرة مثل: ليون، ونافار، واستورياس وجيليقية، واستطاع الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) أن يؤسس إمارة أموية قوية مزدهرة في الأندلس عام 756م/ 138هـ، وتمكن وخلفائه من الأمراء الأمويين الأقوياء من الدخول لهذه الإمارات الإسبانية، وفرضوا نفوذهم ودفعت تلك الممالك الجزية، ولكن وقعوا في خطأ وهو أنهم كانوا يكتفون بوضع حامية عسكرية وبأخذ الجزية وإعلان التبعية، في حين كان يجب أن يقضوا عليها، وأن يُزيحوا عائلاتها الملكية ويدمجوها في الإمارة الأموية بشكل مباشر، وعدم قيامهم بهذا الأمر أدى لتوسع هذه الممالك الإسبانية الصغيرة واستطاعت أن تسيطر على كامل أرض الأندلس بالتدريج.
إسقاط الدولة الأموية في الأندلس
لقد عاشت الأندلس خلال العصر الأموي بفتريه الإمارة والخلافة(138ـ422هـ/ 756ـ 1031م) أجمل أيامها، حيث كانت الأسرة الأموية القرشية تمثل مصدر وحدة وإجماع لكافة قبائل الأندلس الذين يرون في الأمويين أسرة قرشية ذات مكانة، وتمثل موقع الحياد بينهم، ولكن وقع الخليفة الأموي الحكم المستنصر(350ـ366هـ/961ـ976م) في خطأ حينما عين ابنه الطفل هشام المؤيد وليًا لعهده ولم يعين أحد إخوته الكبار، فتولى الخليفة الأموي الطفل هشام المؤيد الحكم عام366هـ/ 976م، فاستغل الحاجب محمد بن أبي عامر صغر عمر الأمير المؤيد، فقام بتعطيل الحكم الأموي، وإقصائهم بشكل فعلي، فسقطت هيبة الدولة وميثاق الإجماع مما أدى لفتن لاحقا، وعلى الرغم من ظهور أمراء أمويين حاولوا إعادة الدولة، ولكنهم دخلوا في صراعات وأصبحت قبائل الأندلس تدعم خليفة ضد آخر، وفي نهاية المطاف، سقطت الدولة الأموية في الأندلس عام 422هـ/ 1031م، وانقسام الأندلس إلى دويلات متناحرة، بلغ عددها أكثر من 22 إمارة، وسُمي هذا العصر بعصر ملوك الطوائف.
التفريط في المدن والحصون
كان التنازل والتفريط في مدن الأندلس، أحد أهم الأسباب في سقوطها بيد الإسبان، فعلى سبيل المثال قام الخليف محمد المهدي عام 1008م/399هـ بالتنازل عن 96 قلعة من ثغور الأندلس، حيث قام بتسليمها لملك قشتالة سانشو غرسية، مقابل أن يقطع الإمدادات عن منافسه المتمرد الأمير الأموي سليمان المستعين، وكان هذا التنازل هو النقطة الأساسية في قلب المعادلة فتحول الأندلسيين إلى مدافعين بعد أن كانوا مهاجمين والطرف الأضعف بعد أن كانوا الأقوى، حيث أن هذه القلاع تشكل شريط عسكري إستراتيجي يحمي الأندلس والمنطلق للحملات العسكرية ضد الممالك الإسبانية، ومن ثم أصبحت قاعدة للإسبان لمهاجمة الأندلس.
عدم استغلال الانتصارات الكبرى
كانت من ضمن الأسباب الكبرى لضياع الأندلس، هو عدم استغلال الانتصارات الكبرى التي حققها المسلمون ضد الممالك الإسبانية المسيحية، فعلى سبيل المثال لم تستغل دولة المرابطين الانتصار الساحق الذى حققته ضد ملك قشتلة ألفونسو السادس ومن معه من ملوك إسبانيا في موقعة الزلاقة عام 479هـ/1086م، وحينما أحكمت دولة المرابطين قبضتها وأسقطت ممالك الطوائف المسلمة التي كانت تحكم الأندلس، لم تستغل هذه الوحدة في إزاحة الممالك الإسبانية وإسقاطها، وكان ذلك في مقدور المرابطين.
كان من الواجب أن يتم استرداد طليطلة التي وقعت في دي الإسبان ومناطق أخرى بعد انتهاء المعركة، ولكن عاد أمير المرابطين يوسف بن تاشفين إلى المغرب؛ بسبب وفاة ابنه وولي عهده أبي بكر المكلف بإدارة أمور المغرب، وكذلك بسبب تمرد والي سجلماسة إبراهيم بن أبي بكر.
وكذلك الأمر، حينما سقطت دولة المرابطين في المغرب والأندلس على يد الموحدين، فإنها لم تستغل انتصاراتها الكبرى مثل موقعة الأرك عام 591هـ/ 1195م على قوات ألفونسو الثامن، فقد وقعت معركة الأرك التي انتصر فيها جيش الموحدين على جيش مملكة قشتالة بقيادة الملك ألفونسو الثامن وكان نصرًا ساحقًا فهرب الملك ألفونسو الثامن إلىعاصمته مدينة طليطلة، وأكمل السلطان أبو يعقوب المنصور مسيرته في أراضي مملكة قشتالة حتى وصل إلى طليطلة عاصمة قشتالة وضرب عليها حصارًا، وعزم على أخذ طليطلة، ولكن خرجت له والدة ألفونسو الثامن وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، فقرر التراجع عن طليطلة، والموافقة على الصلح، وهذا الأمر ندم عليه لاحقا.
وفي عهد خليفته محمد الناصر، هُزمت جيوش الموحدين هزيمة ساحقة في موقعة العقاب سنة 609هـ/1212م، وكانت هذه الموقعة بداية النهاية للأندلس؛ إذ ترتب عليها سقوط المدن الكبرى في الأندلس؛ بسبب ضعف الخلفاء الموحدين، وانشغالهم في الاقتتال فيما بينهم، وكان من بين المدن التي سقطت، عاصمة الخلافة قرطبة عام 633هـ/1236م، وجيان عام 644هـ/1246م، وإشبيلية عام 646هـ/1248م.
الخيانات
عندما انهارت ةتهاوت إمبراطورية الموحدين في الأندلس، أصبح مصير الأندلس في يد رجلين، أولهما هو المتوكل محمد بن يوسف بن هود الجذامي، الذي استطاع السيطرة على الأندلس وإخراج الموحدين، وقام بتجميع جيش ليحارب الإسبان ويسترد ما ضاع، ولكنه تعرض لخسائر متلاحقة أمامهم، حاول أن يستعيد وحدة الأندلس بمبايعة العباسيين، ثم قُتل على يد وزير الرميمي عام 635هـ/1238م، أما الرجل الثاني فقد كان يحمل نفس اسمه محمد بن يوسف بن المعروف بابن الأحمر، لشقرة لازمته هو وذريته، وينحدر من ذرية الصحابي الجليل سعد بن عبادة الخزرجي زعيم الأنصار.
في البداية أعلن ابن الأحمر موالاته لابن هود ثم تمرد ضده، بل وتحالف مع الإسبان وساندهم وشاركهم في حصار وإسقاط قرطبة وإشبيلية، وكان هدفه أن يحصل على إمارة صغيرة وكانت هذه الإمارة هي إمارة غرناطة ليكون أول ملوك بني الأحمر، وقد تأسست هذه الدولة عام 635هـ/1238م، ومن أجل إرساء هذه الدولة وقع محمد بن الأحمر إتفاقية ذليلة عام 644هـ/1248م، دخل بمقتضاها في طاعة ملك قشتالة، ودفع له 10 آلاف قطعة ذهبية كإتاوة سنوية تدفعها مملكته الوليدة في غرناطة، بل وشارك بقواته في حصار المدن الأندلسية الكبرى مثل قرطبة وإشبلية، وسلم له مدينة كبرى أخرى هي جيان!!.
ظلت مملكة غرناطة قائمة لمدة تزيد عن 260 عاما، ودخل في طاعة الإسبان تارة وحاربتهم تارة أخرى، أما الملك أبو عبد الله الصغير، وهو آخر ملوك بنو الأحمر فكان من أسوأ الشخصيات في التاريخ الأندلسي، فقد كانت إمارة غرناطة زمن أبيه الملك أبو الحسن دولة قوية حصينة وانتصرت على الإسبان في عام 1478م، ولكن قام أبو عبد الله الصغير بالتمرد على أبيه ثم عمه الذي انتصر على الإسبان في معركة مالقة عام 887هـ/ 1483م، وتحالف ابو عبد الله الصغير مع الإسبان، وهذا أدى انشقاق في داخل إمارة غرناطة، وحتى بعد وصوله للحكم وسلم أغلب أراضي إمارة غرناطة للإسبان مقابل العرش، وفشل الإسبان في دخول غرناطة آخر المعاقل الأندلسية بالقوة، فقاموا بشراء الوزراء الفاسدين والذين زينوا لأبو عبد الله الصغير تسليم غرناطة وهذا ما أدى إلى تسليمها عام897هـ/ 1492م، وبعد سقوطها تم اكتشاف أن غرناطة كانت تحتوي على مواد غذائية ومعدات عسكرية تكفيها للمقاومة والصمود لزمن طويل جدًا.
د. سليمان عباس البياضي
عضو اتحاد المؤرخين العرب
د. سليمان عباس البياضي