الطبيب والمريض في ميزان "المسئولية الطبية"

30-12-2024 | 12:59

على الرغم من حالة الجدل واللغط التي أثارها طرح قانون المسئولية الطبية لإقراره، فإن واقع الأمر يقتضي النظر إلى "الكوب الملآن" بأكمله، بتحديد طرفي المعادلة والعلاقة بينهما، فالمعادلة الطبية تشير ببساطة إلى مريض وطبيب بشكل مباشر، لكنها بنظرة أعمق تشير إلى منظومةٍ صحية علاجية بحاجة إلى تنظيم يتناسب وتطلعاتنا العامة إلى مجتمع سليم في دولة مؤسسية تواجه التحديات الجسام لاستكمال أسباب التنمية الشاملة، والتي يمثل الفرد فيها اللبنة الأولى والأهم في رحلة بنائها، ومن ثم فإن الحقوق تكون مكفولة له على أكمل وجه في أوجه الحياة كافة، وأبرزها الحقوق الصحية.

ولعلنا ونحن نتناول برؤية ـ نأمل أن تكون موضوعية ـ هذا الملف المهم جدًا، فمن نافلة القول الإشارة إلى حقائق لا يمكن إخفاؤها، منها أن الطبيب نفسه ليس منزهًا عن دائرة المرض، وقد يكون الطبيب أو أحدٌ من ذويه مريض قلب أو سكر أو ضغط أو أي من الأمراض، التي تُخضعه للعلاج عبر طبيبٍ آخر وإجراء الجراحات له، وكذلك لم تعد خافية بعض الحالات التي تشهد تهديدًا مباشرًا للأطباء وأطقم التمريض، بل والتعدي عليهم من قبل ذوي المرضى في مواقع مختلفة، في الوقت الذي نجد فيه هذا الطبيب المصري المشهود له بالكفاءة في العالم كله، يعمل تحت ضغوطٍ كبيرة، وقد يرى أن جهده الشاق لا يتلاءم مع راتبه أو بدل العدوى مثلًا، ورغم ذلك لا يتوانى لحظة في تقديم طاقته لعلاج مريض وإنقاذ حياة آخر. وهذا أيضًا لا يعني أن الأمر يخلو من بعض نماذج مهملة أو ليست على قدر المسئولية.

من هنا فإن قانون المسئولية الطبية الذي وافق عليه مجلس الشيوخ بشكل نهائي خلال جلسته العامة باعتباره الغرفة الثانية للبرلمان، وأحاله إلى مجلس النواب لإقراره طبقًا للدستور، حريٌّ بنا أن نعلم بأنه مَطلب مُلّحٌ للأطباء أنفسهم، على عكس ما هو مُتصوَّر بأن الأطباء يريدون الهروب منه أو عدم تحقيقه، علمًا بأنه معمولٌ به في العديد من دول العالم عربية وأجنبية، لأنه كما يستهدف حقوق المرضى، فإنه بالدرجة ذاتها من الأهمية لحقوق الأطباء، وكما تم التوافق على ضرورة استصدار مثل هذا القانون الذي أرى أنه سيمثل نقلة نوعية وخطوة فارقة في المجال الطبي بأطراف معادلته، كانت هناك ضرورة كبرى للتوافق على نقاط خلافية لها تأثيرها الكبير، بحيث لا يشوب القانون عوارٌ أو فجوات في شكله النهائي، مثل الخلاف على نقطة الحبس والحبس الاحتياطي للطبيب، إذ لا يُعقل أن يتم حبس الطبيب بموجب شكوى يتقدم بها مريض أو أحد أقاربه لاعتقاده بأن الطبيب قد أهمل أو تسبب بشكل مباشر أو مقصود في تدهور حالة أو وفاة، ثم يتبين عدم مسئولية الطبيب الذي يخرج بعد ذلك ليواجه مجتمعًا بسمعة مخدوشة بما يؤثر على مستقبله، خصوصًا إذا كان يعمل في الأقاليم والمجتمعات الصغيرة، لذلك فقد استوجبت واستدعت مثل تلك الحالات تعريفات دقيقة للمصطلحات في هذا السياق، مثل التفريق بين الخطأ الوارد، والخطأ الطبي المتعمد، وكذلك المضاعفات الطبية، وهي في تعريف القانون تطور غير مرغوب للحالة الصحية لمتلقي الخدمة أثناء أو بسبب تقديم الخدمة الطبية بلا ارتباط سببي أو شرطي بفعل مقدم الخدمة أو مهارته، كما أن هناك تعريفات تشمل الحالة الطارئة، والخدمة الطبية ومقدم الخدمة ومتلقيها، في القانون الذي شمل ثلاثين مادة منها مادتان تجيزان حبس الأطباء، وأخرى تقنن الحبس الاحتياطي، وقد نصت المادة 27 على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين من تسبب من مقدمي الخدمة بخطأ طبي في وفاة متلقي الخدمة".

وتأكيدًا على تفنيد مثل هذه النقاط الخلافية، والوقوف على انتفاء الخطأ أو وجوده واستحقاق الحبس أو الحبس الاحتياطي أو أيًا كانت العقوبة، فقد أُنشئت وفقا لأحكام هذا القانون "اللجنة العليا للمسئولية الطبية وحماية المريض" التي تتبع رئيس مجلس الوزراء، وتضم في عضويتها اثنين يرشحهما وزير الصحة من أعضاء المهن الطبية من ذوي الخبرة، وأحد القضاة يرشحه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، وكذلك كبير الأطباء الشرعيين، وممثلًا عن وزارة الدفاع من أعضاء المهن الطبية يرشحه الوزير، وممثلًا عن وزارة الصحة، وممثلًا عن وزارة الداخلية من أعضاء المهن الطبية، ولعل الجميع يأمل أن يخرج القانون بصورته النهائية وافيًا وكافيًا غير مجحفٍ لحقوق أي من الأطراف، فبخروجه إلى النور بالصورة المُثلى، فلا مجال إذن للتخوفات من قبل البعض بابتعاد الأطباء عن التدخل في الحالات الصعبة أو المعقدة والتي تكون احتمالية نجاحها قليلة، وبالتالي ضياع فرص علاج على  المريض، بل العكس تمامًا هو المتوقع مع القانون بصورته الإيجابية، إذ تتحقق أهداف كبرى وضمانات من واقع فرض معايير صارمة لمعاقبة الإهمال الطبي والتقصير، وتقديم خدمات طبية عالية الجودة، عبر تشجع الأطباء على الالتزام بأعلى درجات المهنية، مع ضمان الإنصاف للمرضى والأطباء على حد سواء، كما أنه يسهل آليات التسوية بين الأطباء والمرضى عبر لجان متخصصة، لتقليل النزاعات وحفظ الوقت والجهد، وبذلك فإن هذا القانون يمثل خطوة فارقة ومحورية باتجاه تطوير البيئة الصحية في مصر، سواء من خلال المعايير الواضحة للمسئوليات، أو من خلال دعم القيم الأخلاقية في الممارسة الطبية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة