العائلة.. بين الانعزال والوحدة

29-12-2024 | 14:23

مفهوم الاستمتاع بالوقت ومشاركته مع أفراد أسرنا بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا؛ لذا فقد توجب علينا أن نستعرض هذا الشأن معًا بكل شفافية؛ نفتح جميع ملفاته، نفحصها بنظرة موضوعية، جادة وشاملة. 

نحن الآن في أمس الحاجة للاندماج والترابط، للتشاور مع بعضنا بعضًا كأفراد لعائلة كبيرة واحدة، علينا أن نحتمي ببعضنا، نخلق من تجمعاتنا فرصًا نتقاسم فيها ما يدور بعقولنا، نتقاسم فيها حتى ضحكاتنا، نستعرض صورًا كانت تجمعنا، نستعيد بظلال ذكراها زمنًا تلاحمت فيه واتحدت أرواحنا، ننسج من عبير جلساتنا أجواءً ملائمة وملهمة، نعد بها خططًا مضادة نواجه بها عالمنا الذي لم يعد كما هو. 

كلها أشياء قد تخلى عنها أغلب أفراد مجتمعنا، عن قصد أو دون تخطيط مسبق منهم لهذا، بفعل زمن يختلف عن أزمنة سابقة مرت علينا، بفعل العيش في أيام وأوقات صعبة أُنتزعت فيها البركة من كل شيء حولنا، هذا يبدو واضحًا جليًا دون حاجة لنقاش أو مجادلة، إنها سمات واقعنا الجديد الذي نحياه ويحياه معنا الملايين من البشر؛ تباعدنا من أدنى الأرض لأقصاها، تناسينا أن الحياة لا تعني أنفاسًا تعبر طريقها لصدورنا، تدخل وتخرج منه متتالية ومتعاقبة، القلوب أيضًا علينا حقوق، من حقها أن تحيا، أن تعيش كما ترجو وتتمنى، أن تتنفس بطريقتها وحسب طبيعتها.

محبتنا لبعضنا بعضًا يجب أن تكشف عن موطنها، تصعد إلى السطح وتطفو أمامنا لتنبئنا بحقيقتنا الغائبة عنا، تترجم بالكلمات الرقيقات مشاعرنا، تعزف بأجمل الألحان أغانينا، تتكفل بمساندتنا ودعمنا، فعالمنا الذي تغير تغيرًا مفاجئًا لم يعد يشبهنا؛ اتسعت فيه هوة الجفاء وفتحت أبوابها على مصراعيها، بعد أن أصبح الاستماع لحديث بعضنا بكل -جوارحنا- أمرًا مستحيلًا، غالبًا هذا أو دائمًا، تباعدت فيه خطوات كانت بالأمس مسافات لا تذكر. 

أجراس الإنذار تدق، ورايات التحذير تعلو وترفرف، تزحف مخاوفنا ببطء، فيتعاظم مع همس حفيفها أثرها ويتمدد، وحديث دافئ ينادينا في جوف الليل البارد يوقظنا، قصتنا لم تعد مشهدًا واحدًا يشرح ما بداخلنا بكل يسر وسهولة، بعد أن تعاظمت محنتنا تحولت إلى رواية طويلة، إلى مأساة تدب بأرجلها الثقيلة، تسعى بكل قوة وعنت منها أن تثبت جذورها في أرضنا، تشق طرقها نحونا، نصمت نحن فتتمادى هي وتتشعب. 

علينا أن نتوقف لنراجع بعض مواقفنا، نشهد بحقيقة تم تدبيرها لنا فنجحت نجاحًا مدويًا، تفوقت فيه الفكرة على مبتكرها إذ حطمت في طريقها نواة المجتمع الأولى؛ علينا أن نتفهم جيدًا طبيعة المرحلة، علينا أن ندرسها دراسة دقيقة وافية، نتفحصها ونقرأ ما بين سطورها فالطريق ما زال يمنحنا فرصته الأخيرة لكي نصلح بها ذواتنا، بعد أن تحددت إقامتنا فسكنا جزر الانعزال والوحدة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة