الغواص أبوحامد الغزالي

24-10-2024 | 11:09

تأخذنا الروائية ريم بسيوني في روايتها "الغواص أبوحامد الغزالي" في رحلة عميقة إلى أعماق الفكر والإيمان والتاريخ، حيث تسلط الضوء على شخصية فريدة من نوعها، ألا وهو أبوحامد الغزالي الذي عاش في القرن الخامس الهجري، والذي ولد في طوس ـ" فارس"ـ إيران، وعاش في بغداد حتى توليه الإمامة، ثم تركه كل شيء.. بحثًا عن اليقين والحقيقة... يعد هذا العمل الأدبي ليس مجرد سرد لأحداث حياة الغزالي، بل هو استكشاف متأمل للفكر الإنساني، وطبيعة العلاقات بين المعرفة والدين، والثقافة والروحانية.

لقد ألفت الدكتورة ريم بسيوني روايتها الجديدة التي نُشرت عن دار "نهضة مصر"، بكل كيانها.. وتُعتبر هذه الرواية الأولى لها بعد فوزها بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن روايتها السابقة "الحلواني".

في هذه الرواية الجديدة، تقوم الروائية الكبيرة بكتابة حياة حجة الإسلام أبوحامد الغزالي، العالم البارز في الفلسفة والفقه وعلم الكلام والتصوف والمنطق، وغيرها من العلوم التي تميزت بها شخصيته وجعلته يحظى بلقب "مفتي الأمة".

درس الغزالي الشريعة الإسلامية والدين وتعرف على أعمال اثنين من المفكرين الإسلاميين السابقين، أبونصر الفارابي،  وابن سينا، وقد حاولا الجمع بين استخدام العقل والفكر العقلاني..

كتب الغزالي أحد أشهر أعماله، وهو كتاب "تهافت الفلاسفة"، حيث حاول الكشف عن الأخطاء في نظريات الفارابي وابن سينا، وكان يعتقد أن هؤلاء المفكرين الأوائل اعتمدوا كثيرًا على الفكر العقلاني، والذي شعر أنه غير كافٍ لفهم معنى الجلالة لله عزّ وجلّ..

إن أحد ألقاب الغزالي هو "حجة الإسلام"، وقد أطلق عليه هذا اللقب ليس فقط بسبب حكمة كتاباته، بل وأيضًا بسبب نوعية الحياة التي عاشها. 

فقد كان يدرس في جامعة بغداد وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ولكنه كان يعيش في أزمة روحية، محاولاً إيجاد أساس عقلاني للمبادئ الأساسية للإسلام كما وردت في القرآن، وقد تخلى الغزالي عن بغداد، وعن كل ممتلكاته المادية، فضلًا عن منصبه، وذهب إلى سوريا بحثًا عن اكتشاف حقيقة الذات والعلاقة مع الله، ثم ذهب إلى الحج إلى مكة..

سردت ريم حياة أبوحامد الغزالي بعمق ودراسة وإحساس ورؤية وصدق تستحق عليه كل الثناء والتقدير..

تتناول ريم بسيوني بأسلوبها السلس والمشوق التحديات التي واجهها الغزالي في سعيه لتحقيق التوازن بين العقل والإيمان، مما يجعل القارئ يشعر بعمق الصراع الذي عاشه.

تتميز الكاتبة ريم بسيوني بقدرتها الاستثنائية على تصوير الأحداث والشخصيات، بشكل يجعل القارئ يتفاعل مع الرواية بشكل عميق، وتُظهر لنا بساطة الحياة وتعقيدها في آن واحد، وتقدم لنا شخصيات تتسم بالواقعية والصدق.. 

تتناول الرواية قضايا شائكة مثل التفسير الديني، وفلسفة الحياة، وضرورة البحث عن المعرفة في زمن الفتن.

أسلوب الكاتبة البليغ يجعل من النص تجربة أدبية غنية، حيث تستخدم اللغة بشكل فني يعبّر عن الأبعاد النفسية والفكرية للشخصيات.

إن قدرة الكاتبة على استخدام الاستعارات والتشبيهات تضيف بُعدًا إضافيًا لروايتها، مما يجعل القارئ ينغمس في عالم الغزالي ويتفكر في أفكاره.

من خلال تناولها لشخصية الغزالي، تقدم ريم بسيوني قراءة جديدة لفكره حول أهمية المعرفة، وكيف يمكن أن تكون مصدرًا للسمو عن الماديات.. 

تتحدى الكاتبة القارئ لتبني رؤية شاملة عن العالم، مما يجعل الرواية ليست فقط عن الغزالي، بل تعكس أيضًا قضايا معاصرة تتعلق بالهوية والإنسان والدين والعلم، كما أن الرواية تمثل دعوة للتأمل في الذات، حيث تعكس رحلة الغزالي الداخلية في البحث عن المعنى، وهذا ما يجعلها تتجاوز حدود الزمن لتكون ملهمة للقراء في كل عصر. 

إن الجهد الكبير الذي بذلته ريم في البحث والتوثيق يظهر جليًا في تفاصيل الرواية، مما يعكس احترامها للموضوع وللقضية وللقاري.

توقفت كثيرًا أمام حوار أبوحامد الغزالي وهو يبلغ زوجته ثريا، برحيله عن موطنه ومنصبه وماله وحياته وأولاده؛ بحثًا عن نفسه وعن الحقيقة، يقول لها: هذا القصر وهذه الأموال أريد أن أفترقها.

تقول له ثريا: الثراء ليس ذنبًا.. فيقول: إن الثراء ذنب لمن يدعو الناس لترك الدنيا والتفكر في الآخرة.. ثم يتمتع بكل ملذات الدنيا هو نفسه.."

في الختام، تجسد رواية "أبوحامد الغزالي" للكاتبة ريم بسيوني تجربة أدبية فريدة تدمج بين التاريخ والفكر، بين الروحانية والعلم.. هذه الرواية هي دعوة عميقة للتأمل في أعمال العقل والإيمان والإنسانية، إنني أوجه تحية كبيرة للكاتبة على هذا العمل الأدبي الرائع الذي يستحق القراءة والدراسة والتتبع والتنقيب والفهم والاستنباط والتعلم..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: