صدر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، أحدث دواوين الشاعر الكبير أحمد الشهاوي، بعنوان "أتحدَّثُ باسمكِ ككمان".
موضوعات مقترحة
إذا كان الحُبُّ موضُوعًا شائعًا في التجربةِ الإبداعيةِ إنسانيًّا وفي كُلِّ اللغات، وأساسيًّا في في مختلف الحضارات منذ القدم، فإنَّ الشَّاعر أحمد الشهاوي يُقدِّمُ تجربةً شعريةً مختلفةً تتأسَّسُ على الباطنِ والظَّاهر في الحُبِّ، مُضافًا إليها التوظيف التراثي شِعريًّا وصوفيًّا، والذهاب نحو القرآن والحديث، متواصلا بالرمز والإشارة مع شخصيات شعرية ودينية منذ آدم، وسليمان، وبلقيس، وموسى،وبشار بن برد، وقيس بن الملوَّح "مجنون ليلى "، وشكسبير وسواهم، مُواصلًا وصْلَ ضمائره في نحتٍ لغويٍّ مُحبَّب لدى الشَّاعر،إضافةً إلى استخدامه الضَّمائر المنفصلة أيضًا، وهو هنا مُولع بالغرائب غير الشَّاذة ؛ليصلَ إلى المعنى المرغُوب والمُوسيقى الجاذبة، محتفظًا بخُصوصيته في التعبير وجِدَّته، مؤمنا بأنَّ الشِّعْرَ كالحُبِّ حُرٌّ ومُوجِزٌ وذاتيٌّ، وسرٌّ عصيّ ومُختصِرٌ في كثافته.
يغادر الشاعر أحمد الشَّهاوي في كتابه الشِّعري " أتحدثُ باسمكِ ككمان" عوالمه ليخوضَ تجربةَ عشقٍ لها ملامحُ مختلفة، منفصلة عما سبق له من كُتبٍ شعرية أو نثرية، فتجربته هذه المرَّة تقتربُ من الأرضِي والحِسِّي والدُّنيوي بشكلٍ حميمٍ من دُون أن يجرِّد الأنثى، حيثُ نراهُ في هذا الكتاب الشِّعري يحيلها إلى كائنٍ أرضيٍّ، فنشمُّ في لُغتهِ الرَّوائحَ، ونرى الأماكنَ، ونحسُّ بالمشاعر حيَّةً تسيرُ فوق الأرض،فالعشق ليس مقصُودًا لذاته بقدر ما صارَ تعبيرًا عن رُقي الجسد ورغباته وطريقًا إلى رفعة الرُّوح البشرية.
وجوهر الحُب كما يراهُ الشَّاعر جعله ينسجُ علاقاتٍ لغويةً جديدةً لا تتنافرُ بل تتصلُ بسلاسةٍ تفاجىءُ مُتلقِّيها بما تحملُهُ من مجازاتٍ وصُورٍ فنية واستخداماتٍ لغوية، تؤكِّد انتصارَ الحُب،وأنَّ النفسَ لا تحتاجُ سوى الحُبِّ كي تصلَ، لأنه إرادةُ الخير للمحبوب، إذْ هو قيمةٌ مطلقةٌ ثابتةٌ لا تقبلُ الاختلافَ والتغييرَ وليست نسبيةً، لأنهُ إيثارٌ غيرُ مشرُوطٍ بين اثنين صارَا حرْفًا مشددا في اللغةِ.
وفي هذا الديوان لا يُبارحُ حديثُ الحُب خيالَ الشَّاعر مثل أسلافه من الشُّعراء.
يعُودُ الشَّاعرُ أحمد الشَّهاوي في كتابه الشِّعْرِي " أتحدَّثُ باسمِكِ كَكَمان"إلى الإيقاع – الذي هو أكبرُ من الوزنِ؛ حيث إنّه يشملُ البنية العروضية والبنية الصوتية والتركيبية - مُستخدمًا إيقاعاتٍ شعريةٍ تتناسبُ مع حالِ الحُبِّ التي تحملُ الكتابَ ؛ليخلقَ فضاءَ الجمال؛وإيقاع هذا الكتاب الشعري هو تتابعٌ وتواترٌ ما بين حالتيْ الصمت والكلام، يستجيب للتجربة، ودائم التجدد طوال الوقت، وهو حرٌّ ورحبٌ.
إذْ تُؤكِّدُ النصوصُ أنَّ الكتابةَ الأبقى والأنقى والأصفى والمختلفة هي التي يكُونُ كاتبُها عاليًا في مقامِ العِشق،الذي هو أعلى المراتب وأرقاها وأفضلُها، ويكونُ العِشقُ فيها هو شِدَّةُ الشَّوقِ إلى الاتِّحاد،بوصفه أعمُّ من المحبَّةِ، فليس كلُّ عاشق مُحِبٌّ، وليس كلُّ مُحبٍّ عاشقًا كما يرى سلاطينُ الوَجْدِ.
ويستخدمُ الشَّاعر عناصرَ ومفرداتٍ ولغاتٍ وعلاقاتٍ جديدةٍ في العشقِ، تأتي جميعُها على قَدْر المعشُوق، إذْ يؤمنُ الشَّاعرُ بأنَّ القصيدةَ تساوي أو تعادلُ المرأةَ بوصفها كائنًا تامًّا مُكتملًا، ولا تُعبِّرُ فقط عمَّا هو حِسِّيٌّ، بل تذهبُ إلى الرُّوحي وتُعوِّل عليه بالأساس، إذْ هو مِفتاحُ الأسرار في التجربةِ العشقيةِ المُقدَّسةِ، إذْ تصيرُ المرأةُ كُلَّ الأشياءِ وأصْلَها، وهي البلدُ الذي " يحمِلُ كُلَّ الأسْماء" .
في هذا الكتابِ الشِّعريِّ يستخدمُ أحمد الشَّهاوي تقنياتٍ جماليةً مُتعدِّدةً، وأساليبَ مُختلفةً
، محمُولةً على لُغةِ القلبِ أولًا، والإرثِ العربيِّ، والتصوُّف، والأساطير، والتراث الدِّينيِّ، حيثُ يحتفي الكتاب باللغة، من خلالِ الإشاراتِ والعلاماتِ والرمُوز، بحيثُ يراهُ من يتلقَّاهُ حلقةَ وصْلٍ مع الغَزَلِ العربيِّ ولكن بلغةٍ حديثةٍ لامرأةٍ حديثةٍ أيضًا، لكنْ لا يغيبُ عنها تراثُ العِشْقِ العربيِّ،ففي الكتابِ نقرأ - بفيضٍ - مَتْنَ الحُبِّ.
وقد استخدم الشَّاعرُ أحمد الشَّهاوي آلةَ الكمان جُزْءًا مُهمًّا ورئيسًا من عنوان كتابه الشعري لأنه يدركُ أنَّ الكمان كآلةٍ وتريةٍ أساسية ولا يمكنُ الاستغناء عنها أو تبديلها، وهي مُعادِلٌ للمحبوب الذي لا يتحوَّلُ ولا يتغيَّرُ بل يزدادُ تعبيرُهُ عن الحُبِّ، بوصفه كالكمانِ الأحنّ والأرَقّ والمُعبِّر وله السيادةُ والسُّلطةُ الرُّوحيةُ، كما أنَّ جسدَ الكمانِ في انسيابيته مُماثلٌ لجسدِ المحبُوبِ ظَهْرًا وبطنًا، وكلاهما يفيضُ بموسيقى نادرةٍ إذا أحْسَنَ العاشِقُ/العازِفُ العزْفَ والَّلعِبَ بطريقةٍ مُحِبَّةٍ وعارِفةٍ.
ويتضمَّنُ الكتابُ ستين قصيدةً كتبها الشَّاعر خلال عاميْ 2023و2024ظ في كل من مصر والهند وماليزيا وتركيا .
ويأتي هذا الكتاب بعد ديوانه " ما أنا فيه" الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية عام 2020 ميلادية، ووصل إلى القائمة الطويلة لجائزة زايد للكتاب.
يذْكَرُ أنَّ لأحمد الشَّهاوي كتابيْن شعرييْن ورُواية قد وصلت جميعًا إلى القائمة الطَّويلة لجائزة زايد للكتاب، وهي : سماءٌ باسمي، لا أراني، حجابُ السَّاحر .