جبهة لبنان.. هل من رابح؟ (2)

19-10-2024 | 13:46

في المقال السابق تحدثنا عن الجبهة اللبنانية وحسابات المكسب والخسارة بالنسبة لبعض الأطراف الرئيسية؛ وهي لبنان وحزب الله والعدو الإسرائيلي.

وفي هذا المقال نستمر على نفس النهج ونحلل الموقف الأمريكي والإيراني، لعلنا نستطيع أن نضع أمام القارئ صورة شبه كاملة لمواقف اللاعبين الرئيسيين على الساحة اللبنانية المشتعلة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ربما يكون العامل الإيجابي الوحيد من تصعيد المواجهات على الساحة اللبنانية، هو إمكانية إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله بشكل يمثل وخزة قوية لقلب النظام الإيراني، ومحاوله لتقليم أظافره على أمل تأثير ذلك على موازين القوى في المنطقة بشكل يصب في مصلحة أمريكا وحليفتها إسرائيل.

أما الأبعاد السلبية على الولايات المتحدة من تفاقم حدة النزاع فحدث ولا حرج، فبادئ ذي بدء هناك تخوف وترقب في أسواق النفط العالمية من ضربة إسرائيلية للبنية التحتية النفطية الإيرانية، والتي إن حدثت فستدفع أسعار النفط دفعة كبيرة إلى أعلى، مما يضر مباشرة بمصالح أمريكا وبأسعار الوقود فيها، وبالتالي تأثير غير إيجابي على حظوظ كامالا هاريس في انتخابات الخامس من نوفمبر، ويرى بعض المحللين أن إسرائيل قد تُقدم على هذه الخطوة كهدية لترامب، الذي تتمنى إسرائيل وصوله إلى مقعد الرئاسة مرة أخرى.

زيادة حدة الحرب في لبنان معناها زيادة في أعداد المتساقطين من رحاب الحزب الديمقراطي من العرب والمسلمين، وليس فقط العرب والمسلمين وإنما أيضًا الناخبين الشباب الرافضين لسياسات بني صهيون البربرية، واعتقادي أن حملة كامالا هاريس لا تبذل الحد الأدنى من الجهد المطلوب لكسب أصوات هؤلاء.

كلما استمرت الشاشات الإعلامية في عرض أخبار لبنان، توارت أخبار غزة وخبت الحمية لإتمام صفقة وقف إطلاق النار، مما يعني تراجع احتمالية إطلاق الرهائن الأمريكان من بين يدي حماس، وبالتالي تفقد الولايات المتحدة القدرة على إظهار سطوتها، ويتراجع نفوذها الحقيقي في إدارة الأزمة، مما يعزز من نظرية انحسار التأثير الأمريكي الفاعل على المستوى العالمي، ويفتح شهية الصين وروسيا لمنافسة الدور الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية.

إذا خرجت الأمور عن السيطرة أكثر فأكثر في المنطقة، فهل تجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مباشرة مع إيران؟ وهل تستطيع ردع وكلاء إيران عن استهداف قواتها ومصالحها في المنطقة؟ وإلى أي مدى ستستنزف مواردها العسكرية والمالية، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى التركيز على جبهات أوكرانيا والمحيط الهادئ؟ لا توجد هنا حسابات المكسب والخسارة، بل حسابات تقليص الخسارة والحد من حجمها.

التصعيد الإسرائيلي - الإيراني المباشر، أو من خلال الجبهة اللبنانية، ربما يدفع طهران إلى تغيير عقيدتها النووية، في وقت تعالت فيه بعض الأصوات في الداخل الإيراني التي تدعو إلى ذلك، وإن حدث فستصبح مفاوضات النووي الإيراني مع الغرب أكثر صعوبة، وربما بلا أي أمل في الوصول إلى شيء.

اتساع الحرب في لبنان وغزة والمنطقة سيلقي أمريكا في مزيد من أتون العزلة الدولية والحرج الأممي، وسيطال من سمعة القوة العظمى الوحيدة في العالم، ناهيك عن الغضب المتأجج في الشارع العربي، والذي سيلقي بظلاله على المصالح الأمريكية في المنطقة إن آجلًا أم عاجلًا.

إذا نظرنا إلى إيران وموقفها، فسنجد أن إيران في موقف لا تحسد عليه، فهي واقعة بين مطرقة المواجهة المباشرة مع أمريكا وطفلها المدلل إسرائيل، وسندان عدم دعم حزب الله.

مطرقة المواجهة المباشرة مع إسرائيل تعني مخاطرة إيران بمواجهة اليمين الإسرائيلي المتطرف والمتعطش للفتك بالنظام الإيراني وتحييده، هذا اليمين يمتلك الجرأة على تخطي الخطوط الحمراء، وعلى إيران أن تعي ذلك جيدًا، ربما جاء التصعيد مع إسرائيل في غير الوقت المناسب.

على إيران أن تدرك عواقب المواجهة مع إسرائيل وأمريكا، وأن تحسب حساباتها جيدًا، على إيران أن تعلم أن العمق الإيراني سيصبح مستباحًا، هذا العمق يشمل المنشآت النووية، التي إن ضُربت ضربات مركزة ربما تعيد البرنامج النووي أعوامًا إلى الوراء.

من ناحية أخرى ستعرض إيران منشآتها النفطية لخطر الصواريخ الإسرائيلية، في وقت تمر فيه إيران بأزمة اقتصادية عميقة لن تتعافى منها قريبًا.

مبارزة إيران لإسرائيل وأمريكا معًا ستؤدي في النهاية، في تقديري، إلى إضعاف النظام الإيراني ووكلائه، بالإضافة إلى فقدان النظام الإيراني صورته كقوة إقليمية، بل سينعكس ذلك أيضًا على شعبية النظام الإيراني في الداخل، في ظل إرهاصات تململ شعبي داخلي قد ينفجر في أي لحظة وربما يؤدي هذا الانفجار إلى عواقب ليست على البال أو الخاطر.

وجدير بالذكر أن المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية سترغم النظام الإيراني على التخلي عن سياسة الحسابات الدقيقة، والخطوات الحذرة التي تتبناها إيران منذ فترة، نظرًا لتغير قواعد اللعبة السياسية، ونتيجة للانخراط المباشر في المبارزة المباشرة مع إسرائيل، وبالتالي مع أمريكا.

وختاما فكلي يقين أن الدولة المصرية ليست غافلة عما يجري ويدور من تغيرات إقليمية سريعة وكبيرة، ستؤدي حتمًا إلى واقع مغاير وتوازنات جديدة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الصحة النفسية وبناء الشخصية لمحدودي الدخل

لا أحيد عن التفكير دوما بأهمية بناء حضارة مزدهرة و تحقيق غاية مجتمع الرفاه في مصر، وركيزتي في هذا الحلم هو الأمل، وهو وقودي في مواجهة واقع الحياة الصعب

ثورة في الضرائب

سعدت كثيرًا عندما اطلعت على قرارات التسهيلات الضريبية التي أطلقها السيد وزير المالية مؤخرًا، سعادتي تنبع من إيماني أن بعض القضايا والمشكلات المزمنة في