ارتبطت مصر بالعديد من مظاهر التواصل الحضاري مع الشعوب الأفريقية منذ أقدم العصور التاريخية، وترجع تلك العلاقات المصرية الأفريقية لعدة آلاف من السنين، وتحديدًا منذ عصر الفراعنة، وهو ما تشهد به العديد من السجلات والنقوش المصرية القديمة التي لاتزال موجودة على جدران المعابد المصرية تحكي عن هذا العمق الحضاري والإنساني القديم بين مصر وأفريقيا.
موضوعات مقترحة
ولاريب أن الرحلة التجارية البحرية التي قامت بها السفن المصرية أيام الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت (سواحل الصومال حاليا) في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، والتي نُقشت تفاصيلها على جدران معبد حتشبسوت بالدير البحري بمدينة الأقصر لتؤكد على ازدهار تلك العلاقات بين الطرفين، وهو ما يشهد على خصوصية العلاقات بين مصر والشعوب الأفريقية عبر التاريخ.
نقش على جدران معبد الدير البحري بالأقصر يصور السفن المصرية الذاهبة لبلاد بونت أيام الملكة حتشبسوت
كما امتد ذلك التواصل الحضاري الوثيق بين كل من مصر والشعوب الأفريقية خلال حقبة العصر الإسلامي، وزادت أواصر التواصل بشكل أكبر، وهو ما تشهد عليه العديد من المتون الواردة في المصادر التاريخية. فمن المعلوم أن مصر صارت مقصدًا للحجاج والتجار الأفارقة القادمين مع موكب الحج الأفريقي السنوي الذي كان يتوقف بمدينة القاهرة لعدة أسابيع انتظارا للذهاب لبلاد الحرمين.
ولقد اشتهر هذا الموكب باسم "موكب التكرور" بحسب المصادر الإسلامية، ومن المعلوم أن اسم التكرور (أو التكاررة) هو الاسم الذي ورد في المصادر التاريخية، ويقصد به شعوب غرب أفريقيا، وهذا الشعب هو الذي ارتبط بمصر.
ويُكتب اسم بلاد التكرور بفتح التاء المُثناة فوق، وسُكون الكاف، وضم الراء المُهملة، وسُكون الواو، ثم “راء” مُهملة في الآخر.
صورة تعبيرية لرحلة قبائل التكرور
ولقد سكنت العديد من الجاليات الكبري القادمة من بلاد التكرور بمدينة القاهرة، حتى صار لهم حي يحمل اسم حي التكرور، وهو ذات الحي الذي صار يُعرف في أيامنا باسم: بولاق التكرور الذي يعد شاهدا على أحد أهم صور العلاقات المصرية الأفريقية عبر التاريخ. تذكر المصادرُ أن أول ملك تكروري اعتنق الإسلام، كان يُدعى: وارجابي بن رابيس، وهو يُعتبر في ذلك الوقت أقدم الملوك في تاريخ بلاد ارب أفريقيا الذين أسلموا قبل قدوم المُرابطين لهذه البلاد، ويذكر القلقشندي (ت: 821هـ)، وغيره من المؤرخين القدامى بلاد غرب أفريقيا باسم: بلاد التكرور.
يجدر بالذكر أن اسم بلاد التكرور كان يُطلَق بصفةٍ عامة على كلٍّ من مملكة مالي (596-874هـ)، ومملكة صُنغي (777-1000هـ)، وكذا بلاد الكانم أيام المماليك (648-923هـ)، وهو الأمرُ الذي يتّضحُ من خلال روايات أكثر مؤرخي عصر المماليك القدامى، وحتى المتأخرين منهم. ومن اللافت قلة استخدام اسم مالي أو صُنغي على السواء في أكثر المصادر التي تُؤرخُ إلى تلك الحقبة، سواء لدى مؤرخي المماليك المُتقدمين منهم، أو حتى من جانب المُتأخرين منهم. ومن المعلوم أن لفظ التكرور يُشير لأحد أقاليم بلاد غرب أفريقيا، ويوجد موضعه الآن ضمن أراضي السنغال بالتحديد، ثم ذاع هذا الاسم (أي التكرور) بعدئذ بفضل التجار العرب، وصار يُطلق على البلاد الواقعة في غرب أفريقيا جنوب الصحراء، وحتى تلك الموجودة في بلاد السودان الأوسط (تشاد حاليًا)، مثل بلاد الكانم.
ومن أبرز المؤرخين الذين ذكروا اسم التكرور، سواءً للإشارة إلى مملكتي مالي، أو صنغي، أو على سبيل الإشارة إلى ملوك وحُكام هذه البلاد، والذي يرد باسم ملك التكرور، أو سُلطان التكرور: العُمري (ت: 749هـ)، وابن كثير (ت: 774هـ)، والقلقشندي (ت: 821هـ)، والمقريزي (ت: 845هـ)، وابن حجر (ت: 852هـ).
لوحة تظهر الملك منسا موسى ورحله حجه الأسطورية
ويبدو ذلك واضحًا في حديثهم عن السلطان منسا موسى (712-738هـ)، وهو صاحب رحلة الحج المشهورة إلى بلاد الحرمين، وهو سلطان مالي ذائع الصيت، وهو الذي تذكره أكثر المصادر المملوكية بأنه: ملك (أو سلطان) التكرور. وكذلك أورد ذات الاسم جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، وهو يُعتبر من مُتأخري مؤرخي عصر المماليك، لما تحدث عن سلطان صُنغي في أيامه، وهو السلطان أسكيا محمد (899-935هـ)، والذي دعاه باسم: “سلطان التكرور.
ولما زار الإمام السيوطي بلاد غرب أفريقيا دعاها أيضًا بذات الاسم: "وسافرتُ بحمدِ الله تعالى إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور".
ويبدو من الواضح أن السيوطي لم يستخدم لفظ سلطنة صُنغي، وهي السلطنة الإسلامية الكبرى المعروفة آنذاك، والتي كانت تسيطر على أكثر البلاد في غرب أفريقيا في ذلك الوقت.
كما أن السيوطي ألف بعد ذلك رسالةً في العلوم الشرعية ردًّا على بعض “الأسئلة الفقهية” التي كانت قد جاءته من علماء وفقهاء بلاد غرب أفريقيا، وقد دعا السيوطي تلك الرسالة باسم: (فَتح المَطلَب المَبرور، وبَرد الكَبِد المَحرور في الجوابِ عن الأسئلةِ الواردةِ من التَكرور)، وهو ما يؤكد ذات الاتجاه الذائع لدى مؤرخي عصر المماليك في استخدام لفظ التكرور.
كتاب رسائل التكرور للسيوطي الصادرة مؤخرا عن هيئة الكتاب بدراسة للدكتور إسماعيل حامد
بل إن مؤرخي السودان الغربي يستخدمون هذه التسمية في مؤلفاتهم، ومن ذلك ابن الطالب البرتلي (ت: 1219هـ) في كتابه "فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور"، ورغم أن أكثر العلماء والفقهاء من غرب أفريقيا الذين ترجم لهم البرتلي كانوا من مملكة صُنغي. وعلى هذا، فلم يكن اسم التكرور ذائعًا في بلاد المشرق الإسلامي فحسب، بل كان معروفًا في بلاد السودان الغربي ذاتها. أما النسبةُ لهذه البلاد، فهي: التكروري (أو تكروري). ومما قيل عن هذه البلاد في روايات المصادر، يقول الحِميري (ت: سنة 900هـ): "تكرور: مدينةٌ في بلاد السودان بالقُرب من مدينة صنغانة (يُقصد: سلطنة صُنغي)، على النيل (أي: نهر النيجر)..".
لوحة تظهر أماكن نفوذ مملكتي مالى وصنغي
وكانت القوافل التجارية تُسافر إلى مدينة تكرور عبر دروب الصحراء الكبرى قادمةً من أسواق بلاد المغرب، وكانوا يحملون معهم العديد من البضائع والسلع لهذه البلاد، بينما كانوا يحملون من بلاد التكرور التبر (الذهب)، وهو ما يُشير إلى ارتباط هذه البلاد بالذهب أيضًا.
بينما يذكر “القلقشندي” عن مدينة تكرور، باعتبارها حاضرة الحكام في هذه البلاد؛ إذ يقول عن أحد الحكام هناك: "وقاعدته مدينة تكرور.. وهي مدينةٌ على النيل (يقصُد: نهر النيجر) على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب".
تُشير بعضُ المصادر إلى بلاد التكرور، وتُحددها بأنها الإقليم الخامس من أقاليم مملكة مالي، وهنا تبدو الغاية من ذلك للتفريق بين كل من لفظي بلاد التكرور، ومملكة مالي، وكذا دلالة كل منهما، وهو ما يؤكد أن التكرور ليست إلا أحد الأقاليم التي تقع ضمن تخوم مملكة مالي، ثم أُطلق لفظ الجزء (أي: التكرور) على الكل (أي: مملكة مالي).
وتذكر بعضُ المصادر أن سلاطين مالي كانوا يغضبون إذا ناداهم البعضُ باسم ملك التكرور؛ لأنهم يرون أن ذلك تقليلاً من شأنهم؛ لأنَّ التكرور إقليمٌ من بين الأقاليم في بلادهم. وعن ذلك يقول العُمري (ت: 749هـ): "عند أهل مصر بملك التكرور، ولو سمع (أي منسا موسى) هذا أَنِفَ منه؛ لأن التكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحب إليه أن يُقال: صاحب مالي".
وفيما يلي نُلْقِي الضَّوْء بشيءٍ من الإيجاز على حياة التكاررة"، وهم سكان بلاد التكرور، وبعض عاداتهم وتقاليدهم، كالطعام والثياب..الخ. أمَّا الطعام الذائع لدى أهل التكرور، فكان في الغالب: السمك، والذرة، واللبن، وكانت أكثر المواشي التي يُقبلون على تربيتها: الإبل، والماعز. أما لباسُ العامة في هذه البلاد فكان في الغالب الصوف، وكان السكان في بلاد التكرور يضعون على رؤوسهم كرازي الصوف، أما لباس كبار رجال القوم والخاصة منهم: فكان أبرزها المآزر، وكذلك الثياب المصنوعة من القطن.
جبل الدكرور في واحة سيوة وكان أحد مواضع استقرار شعب التكرور في مصر
حّي بُولاق التَّكرور بالقاهرة
شهدت العلاقاتُ بين كلٍّ من حكام مصر من جانبٍ، وبلاد التكرور وملوكهم، وكذلك شعوبهم من جانب آخر تطورًا لافتًا إبَّان العصر الإسلامي، ويُعتبر عصرُ سلاطين المماليك (648-923هـ) من أكثر العصور الإسلامية ازدهارًا في مصر، وكذلك في بلاد الشام؛ حيث انتقلت الخلافة العباسية في ذلك الوقت لمدينة القاهرة أيام السلطان الظاهر بيبرس (658– 676هـ)، وسبب ذلك سقوط بغداد عاصمة الخلافة (العباسية) على أيدي المغول (التتار) سنة 656هـ، ومن ثم صارت القاهرة أيام دولة المماليك الحاضرة الكُبرى للإسلام؛ وهذا ما يوضحه كلام ابن خلدون (ت: 808هـ) لما وصل القاهرة للمرة الأولى؛ حيث قال: "فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذرّ من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك..".
أفراد من قبائل التكرور
كما لعب الجامع الأزهر دورًا مهمًّا في تأكيد مكانة القاهرة في ذلك الوقت؛ حيث صارت منارة العلم والعلماء آنذاك. ومن ثم كان العلماء وطلبة العلم يحرصون على القدوم إلى القاهرة، ومنهم من آثر الاستقرار بها، وكان منهم بالطبع طلاب العلم القادمين من بلاد التكرور. ومن جانب آخر كان موكب الحج المصري يستقطب أعدادًا كبيرة من شعوب أفريقيا للقدوم إلى القاهرة لمرافقة موكب الحج. ويرى الباحثُ أن التكاررةُ، وهم سكان بلاد التكرور، كانوا من أكثر الشعوب التي كانت تسكن الممالك الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى حرصًا على الاستقرار بالقاهرة مدة من الزمن، وذلك يبدو جليًّا من خلال الجاليات التكرورية التي أقامت بالقاهرة.
خريطة لحي بولاق الدكرور بين أحياء الجيزة
كانت تلك المدة تختلف حسب كل واحدٍ منهم، والغاية التي جاء من أجلها؛ فمن هؤلاء “التكاررة” من أتى مرافقًا لـموكب الحج المصري الذي كان يبدأ من القاهرة، ومن ثَمَّ يذهب تحت إمرة “أمير الحج” إلى بلاد الحرمين الشريفين. بينما كان البعضُ الآخر من شعب التكرور يأتي للقاهرة من أجل طلب العلم، وليأخذ العلوم الدينية والشرعية على أيدي كبار علماء مصر الذين يصفهم ابنُ خلدون بأنهم كواكب الدنيا.
وكان من هؤلاء التكاررة من يُؤثر الإقامة بالقاهرة بعد ذلك، ومن ثَمَّ لم يَعُدْ إلى بلاده مرة أُخرى. وعلى هذا، تكوَّن بمرور الوقت مجتمعٌ غير قليل، أو لنقل “جاليةٌ” مُعتَبرةٌ من أهل التكرور بمدينة القاهرة، وزاد اندماج “التكاررة” بأهل مصر لا سيما بالقاهرة التي آثرها أكثر أهل التكرور أكثر من غيرها من مدن مصر. ومن ثم كان منطقيًّا أن يترك هؤلاء التكاررة تراثًا أفريقيا إسلاميًّا واضحًا بمدينة القاهرة، وقد كانت ولا تزال لهؤلاء التكاررة جوانبُ من تُراثهم الإفريقي الأصيل شاهدةً عليهم، وعلى تأثيرهم في المجتمع المصري عبر الحقب الإسلامية المتعاقبة، وحتى يومنا هذا، ومن ثَمَّ وُجِدَ بالقاهرة حيّ يحمل اسم التكرور، ومساجد، وكذا أضرحة لثُلَّةٍ من أعلام التكاررة الذين استقروا بالقاهرة.. الخ.
صور قديمة لحي بولاق الدكرور
وتركز كثيرون من أهل التكرور في الغالب في أحد أحياء القاهرة أكثر من غيره، وقد صار بذلك الحي جاليةٌ تكرورية غير قليلة، ولهذا صار هذا الحي بالقاهرة يُعرف بـحي التكاررة، أو حي التكرور، وهو ذاتُ الحي الذي أضحى بعدئذ يُعرف باسم: بولاق التكرور، أو بولاق الدكرور، أو الدكروري، وحتى يومنا هذا. ويذكر المقريزي (ت: 845هـ) هذا الحي باسم بولاق التكروري، وكذلك يذكره غيره من مؤرخي الخطط مثل علي مبارك (ت: 1893م) الذي يتحدث عن هذه الحي في خُططه المعروفة بذات الاسم. وللتأكيد على ارتباط هذا الحي بالتكرور، تُشير المصادرُ إلى أن اسم هذا الحي (أي: بولاق التكروري) اشتُهر بذلك نسبةً لأحد الشيوخ من “أصول تكرورية”.
وعن وصف حي التكرور بالقاهرة في ثنايا المصادر الإسلامية، يقول تقي الدين المقريزي: "ناحية بولاق التكرور، وهذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تُعرف بمنية بولاق، ثم عُرفت ببولاق التكرور..". وتؤكد روايةُ المقريزي، وغيرها من روايات المصادر الأُخرى، انتساب هذا الحي، وتسميته نسبة لأحد التكاررة الذين كانوا قد استقروا بالقاهرة، وتحديدًا المنطقة التي عُرفت بعد ذلك بـبولاق التكرور، وكان هذا الشيخ يُدعى: أبو محمد يوسُف بن عبدالله التكروري، وكان في الأصل من سكان بلاد التكرور، ثم قدم إلى أرض مصر أيام الفاطميين (358-567هـ).
وطاب المُقام للشيخ يوسف التكروري بالقاهرة، وآثر أن يُقيم بها بعدئذٍ، وألا يعود لبلاد “التكرور” مرةً أُخرى، ثم حملت هذه المنطقة التي استقر بها، هو وغيره من التكاررة اسم بلادهم. وسوف نُفيض في الحديث عن حياة الشيخ التكروري بعد ذلك خلال حديثنا عن علماء التكرور ممن أقاموا بالقاهرة، وكذلك في حديثنا عن مسجده، وضريحه.
صور قديمة لحي بولاق الدكرور
ومن جانبٍ آخر فقد انخرط الكثيرون من أهل التكرور بشتى مجالات الحياة في مصر، ويمكن القول بأنهم تمصّروا، وأضحوا مصريين بمرور الزمن رغم أصولهم التكرورية.
وكان من أهل التكرور من انضم للخدمة في الجيش، ومن أبرز النماذج التكرورية التي تمصرت قلبًا وقالبًا إذا جاز لنا القول، شخص يُدعى عنـبر التكـروري، وكـان يعيـش أيامَ عـددٍ من سـلاطين المماليك، مثل: جقمـق (1438-1453م)، والسلطان قايتباي (1468-1498م).
وترقـى عنبر التكروري حتى صار مقدَّمًا في الجيش. ويرى الباحثُ أن عنبر التكروري كان جيلاً متأخرًا من التكاررة الذين استقروا بمصر، أي أن أجداده كانوا قد هاجروا إلى مصر، وعاشوا بها مدةً من الزمن، ثم ولد عنبر بعد ذلك بمصر لأسرة تكرورية الأصل، ولا نعلم على أية حال إلى الأجيال التكرورية المهاجرة ينتسب. بأية حال، تذكر المصادر أنه انضم للجيش المصري، وخدم به، ومن ثم أظهر براعة في خدمته، ثم ترقى في الدرجات العسكرية العليا.
ورغم ذلك الامتزاج بين أهل التكرور والمصريين، إلا أن التكاررة احتفظوا في ذات الوقت باسم التكروري؛ تأكيدًا على أصولهم الإفريقية. وعن شخصية عنبر التكروري، يقـول ابن إيـاس (ت: 930هـ): “وفي شـوال، قُـرِّر عنبر التكروري في نيابـة تقـدمة المماليك، ثـم بقـي من بعـد ذلـك مُقـدَّم الممالـيك".
عُلماء التكرور في مصر
ربطت العديدُ من الوشائج العلمية بين علماء التكرور والعلماء المصريين، وكان علماءُ التكرور يحرصون على التواصل العلمي مع علماء مصر الذين ذاع صيتهم في ربوع العالم الإسلامي إبَّان العصر الإسلامي. وتتحدث المصادرُ عن عددٍ من علماء التكرور الذين نالوا العلم بمصر، كما أن عددًا منهم كان يحرص على التواصل مع كبار العلماء بمصر، فكان علماءُ التكرور يرسلون بما يَعِنُّ لهم من تساؤلات فقهية وشرعية لعلماء مصر حتى يُفتوهم في تلك الأمور ثقة بالعلماء المصريين.
ومن المعروف أن أسكيا محمد (899-935هـ) ملك التكرور أراد من السيوطي (ت: 911هـ)، وكان أشهر علماء مصر آنذاك، أن ينشر العلم في بلاده، لا سيما وأن كتب السيوطي كانت رائجةً في بلاده.
وكان علماء التكرور يقومون بتدريس كتبه، ومنهم من قام بعمل شروح لكتب السيوطي. ومن ثم كان من الطبيعي أن يقوم علماء التكرور الكبار بمراسلة السيوطي، ومن ذلـك قيام الفقيه أحمد بابا التنبكتي بعمل شرح لألفية السيوطي، ودعاها باسم "المنح الحميدة في شرح الفريدة". كما يتحدث السعدي (ت: سنة 1655م)، صاحب "تاريخ السودان"، عن أحد علماء التكرور واسمه العاقب بن عبدالله الأنصمني بأنه أخذ العلم عن السيوطي. وكان علماء التكرور يبعثون إلى السيوطي بالأسئلة الفقهية وتضم أمورًا شرعية، وكذلك كان بها بعض الفتاوى، كما يسألـونه عما شقَّ عليهم من أمور الدين. وقـد صَنَّف السيوطي في ذلك رسالـة شهيرة، ضمَّنها أجوبتـه على تساؤلات علماء التكرور، ودعاها باسم: "فَتحُ المَطلَب المَبرور، وبـَرد الكَبد المَحرور، في الجوابِ عن الأسئلـةِ الـواردةِ من التَكرور".
وفي موضع آخر من كتاب السيوطي عن هذه الرسالة الفقهية التي أرسلها لعلماء التكرور، وقد جعلها باسم: مطلب الجواب بفصل الخطاب. وكانت تلك الرسالة ردًّا من “السيوطي” على أسئلة الفقيه التكروري شمس الدين بن محمد اللمتوني. ويُفهم من كلام السيوطي لهذا الفقيه (التكروري) أنه فيما يبدو يعرفه معرفةً شخصية، وهو ما يظهر بشكلٍ واضح من صيغة الكلام بين كليهما، وكذا مقدار الودّ الذي يحمله له السيوطي، ونعوته، ولعل من ذلك قوله له بصفة الحبيب، والأخ، وكذلـك وصفه له بالصلاح، وكذلك تقدير السيوطي لعلم الفقيه التكروري؛ حيث يقول في وصفه: “الشيخ، العالم، الصالح".
ويُشير ذلك فيما يبدو إلى أن العلاقة بين العالمين المصري والتكروري كانت قد زادت ارتباطًا بعد أن زار السيوطي بلاد التكرور، وهو ما يذكره السيوطي في ترجمته المعروفة التي أوردها في كتاب حُسن المُحاضرة. وهو ما يبدو من سياق الحديث في هذه الرسالة الفقهية.
وحسب هذه الرسالة، يذكر السيوطي أنه كتبها، وبعث بها إلى الفقيه التكروري في شهر شوال، من سنة 898هـ. وفي الغالب كانت تلك الزيارة بناء على دعوة من أسكيا محمد ملك التكرور للسيوطي، وهو ما شجَّعه على القيام بهذه الرحلة العلمية. ومما لا ريب فيه أن تلك الزيارة قد زادت من شهرة الإمام “السيوطي”، ورواج كتبه وعلمه في بلاد التكـرور.
ويبدو أنه كـان لهذه الزيارة العلمية التي قام بها السيوطي إلى بلاد التكرور صدى كبير بين كبـار علماء مصر، فشجَّعت الكثيرين منهم على الذهاب إلى تلك المملكة الإفريقية النائية؛ خدمةً لـدين الله، ولنشر العلوم الدينية والشرعية بين شعوب هذه البلاد المسلمة. ومن جانب آخر حرص كثيرٌ من علماء التكرور على القدوم لمدينة القاهرة؛ مدينة العلم في ذلك الوقت، وتعجُّ كتب التاريخ التي دوَّنها مُؤرِّخو بلاد التكرور ذاتها بأسماء كبار العلماء في بلادهم الذين أقاموا بالقاهرة، وجاءوا طلبًا للعلم، وبالطبع كان الكثيرُ منهم يستفيد من رحلة الحج، وانتظار خروج موكب الحج من القاهرة للتعلم على أيدي علماء مصر.
ضريح الشيخ يوسف التكروري في بولاق الدكرور
لعل من أبرز مظاهر التواصل الحضاري بين مصر والشعوب الأفريقية وجود أضرحة لعلماء التكرور بمصر، وتحديدا بمدينة القاهرة، ولعل أبرزها ضريح الشيخ يوسف التكروري الذي كان قد استقر بمصر، وعاش بها حتى وفاته بها، ومن ثم دفنه في أرضها الطيب، وصارت أضرحتهم مزارا لبعض العوام.
ونعلم أنه كان أمرًا منطقيًّا أن يستقر عددٌ من علماء بلاد التكرور وشيوخهم بمدينة القاهرة استقرارًا تامًّا بمرور الزمن، وأن يبقوا بها حتى موتهم، ولقد نال عددٌ منهم صيتًا كبيرًا بين أهل مصر، وكان من أبرزهم الشيخ يوسف التكروري الذي ذكرنا نُتفًا من شأنه آنفًا، وهو الذي حمل حي التكرور بالقاهرة اسمه حتى يومنا، حيث عاش ومات في حي التكرور، وكان ضريحه معروف هناك بين عوام الناس في هذه الحي.
وكان الشيخ يوسف التكروري قد ذاعت شهرته، ونال مكانةً دينيةً واسعة بين عوام الناس على الأخص. وكان الشيخ التكروري ممن عُرف بين الناس بالتقوى، والصلاح، وهو ما يبدو جليًّا في ثنايا الروايات القليلة التي تحدثت عنه. ويعتبر تقي الدين المقريزي، و”علي باشا مبارك” من أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن ترجمته. وكان الشيخُ التكروري يعيشُ بمدينة القاهرة في عصر الدولة الفاطمية (358-567هـ)، وتحديدًا خلال فترة حكم العزيز بالله (نزار) (365-386هـ)، وهو ابن المعز لدين الله الفاطمي (365– 386هـ). ولقد عُرف هذا الشيخ التكروري بأنه من أصحاب الكرامات، ومما ورد في المصادر التاريخية عن كراماته، يقول المقريزي: “وكان يُعتقد فيه (أي الشيخ) الخيرُ، وجُربت بركةُ دعائه، وحُكيت عنه كراماتٌ كثيرة".
كما تروي المصادر بعضًا من كرامات الشيخ التكروري، وبعض تلك الكرامات ارتبط أيضًا بـالتكاررة الذين كانوا يعيشون في حي التكرور في ذلك الوقت. وتحكِي المصادر التاريخية عن الشيخ التكروري، وكراماته بين الناس في حي التكرور بالقاهرة، ولعل منها أن امرأةً خرجت من مدينة مصر (أي: القاهرة) تريدُ البحر (لعله يقصد: نهر النيل)، فأخذ السودانُ (وهم أهل التكرور) ابنها، وساروا به في مركب، وفتحوا القُلع فجرت السفينة، عندها تعلقت المرأة بالشيخ “يوسف التكروري”، فخرج لها الشيخُ من مكانه حتى وقف على شاطئ نهر النيل، ثم دعا الله سبحانه وتعالى، فسكنت الريحُ، ووقفت السفينةُ عن السير، فنادى الشيخ من في المركب يطلب منهم الصبي، فدفعوه إليه، ثم ناول الشيخُ الطفل لأمه.
د. إسماعيل حامد
عضو اتحاد المؤرخين العرب
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
صور قديمة لحي بولاق الدكرور
صور قديمة لحي بولاق الدكرور
ضريح الشيخ الدكروري في بولاق الدكرور
د. إسماعيل حامد