ما هي حسابات المكسب والخسارة للأطراف الرئيسية علي الجبهة البنانية، ومن هو الفائز من توسيع نطاق الحرب والتوغل البري الإسرائيلي؟ وما هي تداعيات اغتيال حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله؟
أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة وضوح الشمس.. ما من رابح في ما يحدث في الجنوب اللبناني، الكل خاسر، ولكن بنسب متفاوتة.
أما اغتيال حسن نصر الله، فأنا لا أرى له صدى على المستوى الإستراتيجي، سوى أنه ضربة تكتيكية لإيران ووسيلة لإضعاف الروح المعنوية لتنظيم حزب الله، وذلك ببساطة لأن حزب الله جماعة قائمة على العقيدة والفكر وليس على الارتباط بشخص، فسيأتي من يخلف حسن نصر الله وسيستمر على نفس النهج والمنوال.
الحكاية ببساطة أن نتنياهو واليمين الإسرائيلي يدفعون المنطقة كلها إلي حافة الهاوية لتحقيق أهداف عدوانية، مرتبطة بالرغبة في الانتقام وفرض القوة، ومبنية على واعز أيديولوجي متطرف ومصالح ضيقة.
ولننظر بتمعن إلى موقف كل من إسرائيل وحزب الله:
في تقديري أن السبب الرئيسي لفتح جبهة جديدة في جنوب لبنان بخلاف غزة هو رغبة نتنياهو في استمرار حالة الحرب في إسرائيل، أملا في تحقيق انتصار قد يحميه من شبح السجن، والذي يأتي على خلفية قضايا فساد سيواجهها نتنياهو بمجرد أن تضع الحرب أوزارها.
أما الهدف المعلن فهو إعادة النازحين الإسرائيليين إلي مستوطناتهم في الشمال بعد إقامة منطقة أمنية عازلة في جنوب لبنان وإبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، ولكن السؤال هو هل تستطيع إسرائيل القيام بذلك بعد فشلها لعقود؟
في تقديري، لن تفلح إسرائيل في الهدف المشار إليه، وذلك لأسباب عدة، منها عدم قدرة إسرائيل على إدارة جبهتين عسكريتين بنفس الكفاءة والقوة، وعدم تحملها لحرب على جبهتين تستمران لسنوات، فاعتماد جيشها على تعبئة الاحتياط ومحدودية حجم قواتها لا يسمح لإسرائيل بذلك، بالإضافة إلى النزيف المستمر في الاقتصاد وتراجع النمو ومعضلة تنامي الفقر، أضف إلى ذلك أن حرب برية في جنوب لبنان تعني خسائر بشرية ضخمة تضاف إلى خسائرها في غزة؛ مما يزيد من الفاتورة السياسية للحرب، من ناحية أخرى لا زال محور المقاومة يمتلك كارت الرهائن الإسرائيليين، مما يعقد الأزمة ويضعف من موقف إسرائيل، وأخيرًا فعدم وجود غطاء دولي لعمليات إسرائيل في لبنان يضع الدولة العبرية والولايات المتحدة في مزيد من العزلة الدولية.
أما في ما يخص لبنان: فيعتصرني الحزن والألم على أهل هذه البلد الطيبين، والذين يعانون منذ عقود في بلد تقطعت أوصاله وجرى به الفرقاء السياسيون نحو الهاوية.
الحرب في الجنوب تلقي بظلالها على وضع اقتصادي على شفا حفرة عميقة، والقصف يصب الزيت على نار الاقتصاد المشتعلة، فالنمو في تراجع، والناتج المحلي الإجمالي فقد 40% من قيمته منذ 2018، والعملة في غيبوبة كاملة، والمواطن هو الضحية، ولا ينقص اللبنانيين سوى الموت بصواريخ الطائرات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية أو النزوح إلى الشمال بغير أمل قريب في العودة.
أما فيما يتعلق بحزب الله فلا شك أنه تعرض لضربات موجعة، ولكنها في تقديري ليست قاتلة، وربما تسبب هذه الضربات بعض الارتباك والإحباط في صفوف مقاتلي الحزب ولكنها لن تركعه، وعلى العموم ستكشف العمليات العسكرية في الفترة القادمة عن جاهزية حزب الله القتالية وقدراته.
وأعتقد أن التوغل البري الإسرائيلي هو فرصة كبيرة للحزب لإثبات أنه ما زال قادرًا على الصمود وإلحاق أضرارا كبرى في صفوف العدو الإسرائيلي، وربما يكون التوغل البري أيضا دافعا لمقاتلي الحزب للانتقام من اغتيال حسن نصر الله وباقي القيادات.
المأزق الذي يواجهه حزب الله هو تأثير الحرب على الاقتصاد اللبناني المنهار أصلا، بجانب أزمة النازحين من الجنوب اللبناني وقد تخطى عددهم المليون نازح، هذه بجانب معضلة تكاليف إعادة الإعمار ومن أين ستأتي أموالها، كل ذلك سيضيف إلي حالة الانقسام في الداخل اللبناني أبعادًا أخرى وربما يكون له صدى غير إيجابي على شعبية الحزب لدى الجماهير اللبنانية.
وفي المقال المقبل، نسلط الضوء على حسابات المكسب والخسارة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإيران.