«المحتوى هو الملك.. ومالك المحتوى هو وحده من يجب أن يتحكم فيه». مبدأ قديم ورصين في عالم الصحافة، استدعته الأحاديث المثارة حاليًا حول تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها السلبية المحتملة على الصحف الورقية.
خلال العقدين الماضيين عانت صناعة الصحافة العالمية من هبوط إيراداتها، بل وتوقف الكثير منها عن الصدور، نتيجة تراجع الاشتراكات والتوزيع والإعلانات، مع تحول القراء نحو الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ للحصول على الأخبار من دون مقابل.
وأدت هيمنة حفنة قليلة من شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون على الإعلان الرقمي والنشر إلى تدمير نماذج أعمال الصحافة في جميع أنحاء العالم، والآن يقوم الذكاء الاصطناعي بذلك مرة أخرى.
إذ أحدثت هذه الشركات ثورة في مجال الإعلان الرقمي؛ من خلال ابتكارات رائدة مثل نموذج الدفع لكل نقرة من جوجل، واستخدام أمازون لبيانات المستهلكين لجذب ما يسمى بالإعلانات المستهدفة.
تتوقع شركة برايس ووترهاوس كوبرز للأبحاث أن تنمو سوق الإعلان الرقمي بمعدل نمو سنوي مركب قدره 9.1% خلال الفترة من 2022 حتى عام 2026، لتصل إلى تريليون دولار، ويعزي هذا النمو المذهل إلى عدة عوامل رئيسية، منها الاعتماد الواسع النطاق للهواتف الذكية، وظهور الإنترنت عالي السرعة، وزيادة انتشار منصات وسائل التواصل الاجتماعي، والتوسع السريع في قطاع التجارة الإلكترونية.
وتصل حصة جوجل وميتا وأمازون ويوتيوب مجتمعة إلى أكثر من نصف حجم السوق العالمية للإعلان الرقمي.
خسائر الصحف
مع نمو أعمال عمالقة التكنولوجيا وزيادة قيمتها السوقية، فقدت صناعة الصحافة الأمريكية، الأكبر في العالم، ثلث صحفها وثلثي صحفييها، بما يعادل 43 ألف محرر، منذ عام 2005. وهؤلاء لا يمكن استبدالهم بالذكاء الاصطناعي.
وكشف تقرير صادر عن مبادرة الصحافة المحلية بجامعة نورث ويسترن الأمريكية، أن صناعة الصحافة في الولايات المتحدة ألغت 2700 وظيفة خلال العام الماضي وحده، وأغلقت 2.5 صحيفة أسبوعية في المتوسط.
وبنهاية العام الماضي لم يتبق سوى 6 آلاف صحيفة في الولايات المتحدة، منها حوالي 1200 صحيفة يومية و4790 أسبوعية. على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، انخفض إجمالي توزيع الصحف اليومية والأسبوعية من 122 مليونًا إلى 73 مليون نسخة.
وعلى الرغم من ارتفاع عدد الزيارات إلى أهم 46 موقعًا إخباريًا بنسبة 43% خلال العقد الماضي، إلا أن إيراداتها انخفضت 56%.
وفي المملكة المتحدة، أصبح عدد الصحف المحلية الآن أقل من أي وقت مضى منذ القرن الثامن عشر، وهذا العدد مستمر في الانخفاض، إذ تم إغلاق أكثر من 320 صحيفة بين عامي 2009 و2019 مع تراجع عائدات الإعلانات بنحو 70%.
ما لا يفعله الذكاء الاصطناعي
ولكن على النقيض من الصحفيين، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الذهاب إلى قاعة المحكمة أو إجراء مقابلة مع متهم خلف القضبان، أو تعزيز ثقة المبلغين عن المخالفات، أو التواجد في الخطوط الأمامية لتغطية الحروب.
علاوة على ذلك، بدون الوصول إلى المحتوى عالي الجودة الذي أنشأه الإنسان والذي يمثل تصويرًا دقيقًا نسبيًا للواقع - والذي توفره الصحافة - فإن النماذج الأساسية التي تغذي التعلم الآلي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدية بجميع أنواعها سوف تتعطل وتتدهور وربما حتى تنهار، مما يعرض النظام بأكمله للخطر.
أصبح التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي وسيلة أخرى لحفنة من شركات التكنولوجيا القوية لتوسيع وترسيخ مواقعها المهيمنة بالفعل في السوق، وهذا من شأنه أن يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن تستمر قطاعات مثل الصحافة أو الصناعات الإبداعية.
ما تفعله الصحف
تعتبر الصحافة ذات أهمية خاصة للبحث التوليدي في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث توفر معلومات فورية ومدققة ورصينة، وتوفر محتوى "بشري اللغة" أي المكتوب بواسطة المحررين والباحثين، وسيكون البحث بواسطة الذكاء الاصطناعي عن معلومات حول الشركات أو قضايا المجتمع أو الحكومة أقل فائدة بكثير إذا لم تكن هناك صحيفة تنشر النتائج، كما تعد الصحافة جزءًا أساسيًا من مجموعات البيانات المستخدمة لتطوير وتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويشعر الناشرون بقلق عميق بشأن الكيفية التي قد يؤدي بها الذكاء الاصطناعي إلى تزايد الاتجاه نحو عمليات البحث بدون نقرات، والتي تعرض المعلومات المطلوبة دون إرسال المستخدم إلى مواقعها على الإنترنت، بعد أن كانت في اتجاه تصاعدي ثابت منذ عام 2019.
ووجدت دراسة أجريت عام 2022 أن نصف جميع عمليات البحث المولدة بالذكاء الاصطناعي في جوجل كانت بدون نقرات، وأن جزءًا صغيرًا فقط من مستخدمي فيسبوك ينقرون على المحتوى الموجود في منصات الأخبار الخاصة بهم.
ومما يثير القلق، تبني شركات الذكاء الاصطناعي أنظمتها على عدم الاكتراث بحقوق الملكية الفكرية، ولا تدفع مقابل المحتوى الصحفي، الذي يتم توفيره ونشره بتكاليف باهظة.
إذا سُمح لشركات الذكاء الاصطناعي بالتهام محتوى وإيرادات صناعة الصحافة، كما كان الحال مع مواقع البحث، كجوجل كروم وبنج، ووسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تؤدي إلى انصراف القراء والمشتركين المحتملين عن الصحف الورقية، وهذا يقلل بشكل أكبر من الإيرادات التي يمكن كسبها من التوزيع والاشتراكات والإعلانات، مما يقوض ليس فقط القدرة على إنتاج صحافة عالية الجودة، ولكن أيضًا تدمير نماذج الأعمال للقطاع بأكمله.
صفقات من أجل البقاء
السؤال المطروح حاليًا: هل تتمكن صناعة الصحافة من البقاء في عصر الذكاء الاصطناعي؟ تعتمد الإجابة على ما إذا كانت الصحافة قادرة على تكييف نماذج أعمالها مع عصر الذكاء الاصطناعي.
إن ما تنتجه الصحف من محتوى هو بالتأكيد يحظى بالحماية بموجب قوانين الملكية الفكرية، وبالتالي يمكنها الحصول على عائدات نتيجة استخدام هذا المحتوى، وما هو يجب أن يقاتل من أجله مسئولو هذه الصحف.
ولحسن الحظ، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل في إبرام صفقات مع ناشري الأخبار للاستفادة من محتواهم.
إذ وقعت شركة OpenAI، المملوكة لمايكروسوفت، اتفاقيات ترخيص مع بعض أكبر المؤسسات الصحفية في العالم بما في ذلك وكالة Associated Press، وAxel Springer، وLe Monde، وتكتل وسائل الإعلام الإسبانية Prisa، بينما تجري العديد من المؤسسات الأخرى مفاوضات مماثلة مع أبل وجوجل.
على الرغم من أن قيمة الصفقات غير معروفة، غير أن العديد منها يغطي حقوق استخدام المحتوى، بما في ذلك الأرشيف.
أما الصفقة الأبرز والأكبر لشركة أوبن أيه أي، فكانت مع نيوز كورب التابعة لروبرت مردوخ، والبالغة قيمتها 250 مليون دولار على مدى 5 سنوات.
الاستفادة من التجارب الدولية
لكن صناعة الصحافة في الدول النامية لم تستفد حتى الآن من الصفقات التي أبرمتها كبريات الصحف الأمريكية والأوروبية؛ إذ يمكنها التفاوض الجماعي للحصول على مقابل وبيع محتواها لشركات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من أسس ومبادئ التفاوض الخاصة بوسائل الإعلام، المعمول بها بالفعل في أستراليا وكندا وأمريكا للمطالبة بتعويض عادل عن استخدام محتواها.
إن مطالبة شركات الذكاء الاصطناعي بالحصول على تراخيص استخدام محتوى ناشري الأخبار من شأنه أن يعزز قدرة صناعة الصحافة على النمو والاستمرار.
ولتحقيق ذلك تحتاج صناعة الصحافة في الدول النامية إلى الاتحاد والتكتل، واتباع إستراتيجيات متطورة وديناميكية لتسعير المحتوى الإخباري، والاستفادة من تجارب الكيانات الإعلامية الكبيرة في التفاوض وإبرام الصفقات مع عمالقة التكنولوجيا، وربما تحتاج في هذا الشأن إلى لوائح حكومية تدعمها وتمكنها من القيام بذلك.