Close ad

آليات النهوض بالتعليم في مصر (1-2)

10-7-2024 | 15:01

أولا: التعليم ما قبل الجامعي "التعليم الإلزامي"

رب سائل يسألني ما الذي دفعك للحديث عن هذا الموضوع بمشكلاته التي ظن البعض أنها مشكلات عصية الحل؟

أقول، ولا أخفيكم سرًا، أنني قرأت منذ فترة مقالا لتربوي متخصص مهموم بقضايا التعليم والمعلمين، وهو واحد منهم.

هذا المقال أثار شجوني، وحرك الحس الوطني بداخلي، الذي لم ولن يهدأ إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا، ويحدث مرادنا وما نصبو إليه وما نحلم به، وما تسعى إليه قيادتنا من إحداث نهضة علمية تتحقق على أثرها نهضة شاملة ترتفع بها البلاد وترتقي، وتعود إلى سيرتها الأولى.

ما رأيته من تدني مستوى التعليم؛ سواء الابتدائي أو الإعدادي أو الثانوي، وهذا التدني تمخض عنه لا مبالاة مفرطة من الطلاب وأولياء الأمور، وبعض المعلمين، فالكل مشارك ومسئول، وعندما تسأل أحد الطلاب ماذا استفدت؟ يقول لا شيء، تسأل ولي الأمر يرد بسخرية "هو في تعليم في البلد"!!

عندما تسأل المعلم يعدد لك مشكلات لا حصر لها؛ سوء إدارة تعليمية، وساطة ومحسوبية، حقوق مهضومة، تدن للرواتب.

والنتيجة طبعًا سلبية للجميع، بالنسبة للطلاب يأتي بعضهم إلى الجامعة، هذا إن خدمهم الحظ ودخلوها، لا يستطيعون الكتابة، أخطاء كتابية لا حصر لها، عدم القدرة على صياغة عبارة أو جملة واحدة مفيدة.

فكيف سيتولون هؤلاء تعليم تلاميذ بعد ذلك، خصوصًا لو تخرجوا من كليات الآداب أو التربية وعملوا بالتدريس، طبعًا أنا لا أعمم ولا أصدر أحكامًا على عواهنها، لكن من واقع خبرتي التدريسية وتصحيح كراسات الإجابة.

ما دفعني أيضًا للكتابة عن هذا الموضوع، اتجاه كثير من أولياء الأمور إلى المدارس الخاصة، وإهمال المدارس الحكومية؛ بغية أن يتعلم أبناؤهم تعليمًا سليمًا، أو بغرض "هو ابن فلان أحسن من ابني".

صحيح قد يهرب الكثيرون من الكثافة العددية للفصول، ومن سوء بعض الخدمات التي تقدم في بعض المدارس الحكومية، وكذلك من تسلط بعض المعلمين وبسط هيمنتهم على التلاميذ، وإجبارهم على المجموعات والدروس الخصوصية.

والحل بسيط من وجهة نظري، هناك إدارات تتلقى شكاوى أولياء الأمور، وهناك مجالس أمناء دورها مراقبة العملية التعليمية، لكن يقابلك ولي الأمر في الشارع ويشكو، وعندما تقول له قدم شكاوى يقدم لك حججًا أنها لن يلتفت إليها أحد من المسئولين، أو يقدم لك عذرًا أقبح من ذنب، أخشى أن يتم التنكيل والبطش بالتلاميذ ممن تقدم في حقهم الشكاية.

يا سيدي هل أقدمت على هذه الخطوة، حتى وإن تم تجاهلك في المرة الأولى، قدم مرة أخرى، فقد كتبت الإجابة لمن أدمن الطرق.

تسابق المدارس الخاصة؛ لإثبات أنها الأحسن والأجدر، تتسابق بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، المهم تظهر بصورة التفوق الذي يجعل الإقبال عليها كثيفًا، وهذه أم الكوارث، فيتخرج بعض الطلاب من كليات الطب ولا يفقهون شيئًا، وتضيع حقوق البسطاء الذين تعلموا في المدارس الحكومية وحصلوا على 98 بالمائة، ونظرًا لارتفاع التنسيق بسبب الـ 100 في المئة التي يحصل عليها طلاب المدارس الخاصة لا تتحقق أماني البسطاء.

ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع عدم الاهتمام بالمعلم، وعدم الاهتمام يأخذ عدة صور:
أولاها: الاهتمام به علميًا وتثقيفيًا.
ثانيتها: الاهتمام به ماديًا، فحق على الدولة ووزارة التربية والتعليم توفير حياة كريمة لهؤلاء المعلمين الذين ينبغي لنا أن نقف لهم إجلالًا وتعظيمًا وهذا جانب معنوي.

أما الجانب المادي، فما الذي دفع بعض المعلمين إلى الدروس الخصوصية والتدريس في المراكز الخاصة، ببساطة متطلبات الحياة كثيرة، وضغوط وظروف المعيشة قاسية، جميعهم صغيرة أعمارهم يريدون أن يكونوا أسرة ويبنوا بيتًا، أما من كبر سنهم فعليهم التزامات كيف سيوفرونها بهذه الرواتب الزهيدة، لا أحد ينكر عليَّ ذلك، ومن ينكر فهو لا يرى حتى وإن كان مبصرًا.

ما دفعني للكتابة عن هذا الموضوع تدن صارخ للخدمات التعليمية، فصول مكتظة بالتلاميذ، تهوية سيئة، طرق تعليمية دون المستوى لا ترقى لدولة بحجم دولتنا، حاضرة العلم والثقافة وبلد العلماء.

ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع أيضًا التخبط في اتخاذ القرارات المصيرية، التي تخص بناء الأمة، تخص عصب الأمة أبناءنا الطلاب، وانعدام الرؤية التي باتت شبه ضبابية.

ما دفعني أيضا للكتابة عن هذا الموضوع الحشو الذي اكتظت به المقررات الدراسية الذي أثقل كاهل التلاميذ والمعلمين على حد سواء.

هذا هو الداء، وقد يظن البعض أنه داء عضال، لكن لكل داء دواء، المهم تكون هناك نية حقيقة لكتابة ورقة علاجية ناجحة نشفى بها ونقوم من كبوتنا فالفرصة مازالت موجودة.

وأعتقد أن قيادتنا الوطنية الرشيدة لا تألو جهدًا في إيجاد دواءٍ شافٍ ومعافٍ إن شاء الله.

عدة ركائز أساسية سأقدمها، وهذا اجتهاد شخصي مني لا أرجو به إلا وجه الله تعالى، ورفعة محبوبتي مصر.

الركيزة الأولى:
تفعيل النوادي الصيفية، وعقد ندوات صيفية في المدارس هذه الندوات يحضرها الطلاب وأولياء الأمور والمعلمون على حد سواء، يحاضر فيها تربويون متخصصون، ويتم فيها الدعوة إلى العلم والتعلم.

الركيزة الثانية:
الإصغاء إلى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين على حد سواء، والاستماع إلى المشكلات ومحاولة حلها لا بالمسكنات أو بالحلول الوقتية، بل نهتم بالمرض الذي ينتج عنه العرض.

الركيزة الثالثة:
الاهتمام بالمدارس الحكومية، وهذا دور الدولة والتربية والتعليم والمؤسسات الخدمية؛ وذلك عن طريق توفير التمويل والدعم التام الذي يسهم في زيادة عدد المدارس وعدد الفصول ونظافة المدارس؛ مما يجعل الإقبال عليها واضحًا، واعتقد أن الحكومة سلكت هذا المسلك لإدراكها أهمية التعليم.

الركيزة الرابعة: 
الاهتمام بالمعلم وتوفير حياة كريمة له، والارتقاء به معنويًا، وهذا ما تفعله الدولة في عيد المعلم لكن نطالب بالزيادة، والدعم المعنوي ولو حتي بشهادات تقديرية.

وكذلك توفير الدعم المادي من زيادة لرواتبهم وحوافزهم، والنظر في أجورهم بعد سن التقاعد؛ بما يفي حاجاتهم المعيشية، وثقتي في الله كبيرة أن يلقى كلامنا هذا قبولا؛ لأننا نكتب حبًا وإخلاصًا لبلدنا ونريد لها الخير.

الركيزة الخامسة:
النظر بعين الاعتبار في المقررات الدراسية، وطرح الحشو منها، فضلا عن مراجعتها مراجعة لغوية دقيقة، والتدقيق في الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث، ولابد أن يتولى هذا الأمر متخصصون.

الركيزة السادسة:
وضع سياسة تعليمية وبرنامج تعليمي يقوم على أسس تربوية، وليست نظرية فحسب، وإنما إخراجها من مرحلة التنظير إلى التفعيل مع نسب الأمر لأهله.

كذلك وضع خطة زمنية إستراتيجية لتطوير التعليم، لا تكون خطط على الورق، وتوضع في الأدراج، وإنما برنامج تربوي تنموي يضمن جودة التعليم.

الركيزة السابعة:
عقد دورات للمعلمين في كافة مراحل التعليم؛ دورات مهارات للمعلم، بناء وتنمية قدرات المعلم في تفاعله مع طلابه، دورات حقوق وواجبات لتوضيح ما له وما عليه.

وفي نهاية كل دورة يحصل على شهادة تميز، ولا يُرقى للدرجة الأعلى إلا بعد اجتيازها.

الركيزة الثامنة:
إستراتيجية اتخاذ القرار؛ وتقوم على دراسة شاملة إيجابيات وسلبيات ما سيتم اتخاذه من قرارات، وقبل التنفيذ طرح هذه القرارات للمشاركة المجتمعية مشاركة حقيقية.

الركيزة التاسعة:
المتابعة المستمرة للعملية التعليمية؛ سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة، متابعة فعلية، ودخول الفصول مباغتة دون إخبار بموعد محدد للحضور، هذا إن أردنا حقًا متابعة.

الركيزة العاشرة:
أن تكون هناك نوايا حقيقية للنهوض بالعملية التعليمية، والنوايا والضمائر يعلمها الله، لكن في اعتقادي أننا نمتلك النوايا الحقيقية، ونمتلك القدرة على النهوض ببلدنا الحبيب.

إذا ما تحققت هذه الركائز العشرة التي سنبني عليها، أعتقد أننا سنحقق المعادلة.

ونحن قادرون بالفعل لا بالكلام؛ قادرون على النجاح ما دمنا سنضع أيدينا في أيدي بعض، وسنلتف حول قيادتنا الرشيدة.

ثانيًا: التعليم الجامعي وما بعده "الدراسات العليا"
بداية لابد أن نتعرف على الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة عن هذا الموضوع.
السبب الرئيس هو التصنيف المتدني لجامعاتنا المصرية؛ سواء التصنيف العربي أو العالمي.
 
السبب الآخر هو واقع البحث العلمي الذي نعيشه، وتدني مستويات معظم البحوث والرسائل العلمية التي تعج بها أرفف المكتبات دون فائدة ولا طائل من ورائها، اللهم إلا إهدار الجهد والوقت.

لا أعمم ولا أصدر أحكامًا على عواهنها، ولكن من واقع ملموس معيش يحياه أستاذ أكاديمي متخصص، يعتلي منصات المناقشات العلمية منذ سنوات طويلة، كذلك شكاية كثير من الأساتذة من تدني مستويات البحوث التي يشرفون عليها، ليست هذه الشكاية من أساتذة الكليات النظرية وحدهم، ولكن لنا زملاء في كليات عملية؛ مثل الطب والصيدلة والهندسة، يشكون من عدم قدرة بعض الدارسين على الإبداع في هذه المجالات، وأن رسائلهم العلمية تحصيل حاصل لا تأتي بجديد.

والنتيجة الحتمية ليس ثمة تقدم، وليس ثمة ابتكارات، ولا استفادة من هذه البحوث في واقعنا المعيش.

ودليلي على ذلك لو أخذنا مثالا على إنتاج العقاقير الجديدة لعلاج بعض الأمراض المستعصية، لا نجد جديدًا، اللهم إلا استيراد هذه العقاقير الطبية من الخارج، هذا بالنسبة للكليات العملية.

أما بالنسبة للكليات النظرية، فصحيح هذه البحوث إثراء للعقل وتنمية ملكات التفكير، وقد تفيد في مجالات علم النفس، والآثار وأقسام اللغات، ولكن متى تتحقق هذه الإفادة؟ إذا تم التخديم عليها جيدًا؛ بحيث لا تكون تحصيل حاصل؛ أي لا نأخذ من هناك ونضع هنا، أي لا نأخذ من مجلدات ونضع في مجلدات، والنتيجة النهائية صفر.

خطابي هذا ليس موجهًا للجامعات فحسب؛ وإنما موجه لكل مراكز البحوث العلمية، الزراعية والجيوفيزيقية ومعاهد ومراكز التحليلات النفسية وغيرها، أيضًا خطابي هذا موجه لكل من هو مهتم بالبحث العلمي في مصر، ويريد رفعتها والنهوض بها.

حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، ومن يفعل ذلك سيكون إما وإما، إما مكابرًا وإما معاندًا، لا ينبغي لنا أن ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام، هدفنا النهوض بهذا الوطن من كبوته وإقالة عثرته. 

* أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة