Close ad

وزارة متجددة للبيئة

9-7-2024 | 12:13

"لا يوجد في الحياة شيء يدعونا إلى الخوف.. وإنما كل شيء يدعونا إلى الفهم، والآن حان الوقت لكي نزيد مما نفهمه، حتى نقلل مما نخافه"… عالمة الفيزياء ماري كوري.

من بين أهم التكليفات التي حددها الرئيس للحكومة الجديدة، الحفاظ على محددات الأمن القومي في ظل التحديات التي تواجه الدولة أمام الظروف الخارجية المتغيرة.

والظروف الخارجية المتغيرة لا تتوقف عند التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية فقط، وهي تحديات تقليدية في الأساس، إلا أن هناك تحديات غير تقليدية، وهي التحديات البيئية والتغيرات الكارثية للمناخ وانعكاسها، بشكل أو بآخر، علي توفير أسس ملائمة للحياة، من ماء وغذاء ودواء.

هناك عبارة مأثورة تقول: إذا جارك بخير أنت بخير، وأمام التغيير الوزاري تتردد عبارة : إذا الحكومة بخير، نحن بخير، ومن منطلق تكامل النشاط وتناغم سبل الحياة، نقول: إذا البيئة بخير فإن مصر بخير.

في الماضي، كان الشأن البيئي يكاد يكون هامشيًا مكملًا لباقي الأنشطة والقطاعات، أما اليوم فقد بات هذا القطاع أساسيًا، بل هو مكون بنيوي يدخل في نسيج الأنشطة وجوهر الخدمات في كافة القطاعات، لتشكل مسألة دمج البيئة في كافة أوجه التنمية، هو التحول والتحدي الأكبر لقطاع التنمية البيئية في مصر.

هذا التحدي يتزايد مع كثافة الوسائل الرقمية، والنمو المذهل لما يسمى بالبيئة الرقمية، فقد تولد عنها ما يطلق عليه العلماء "مرض نقص الطبيعة"، لأن التواصل مع الطبيعة والتفاعل مع مفرداتها، هو أحد أسس السلامة النفسية والصحة العقلية، حيث يرى خبراء التربية والتواصل المجتمعي، وأخصائيو العلوم السلوكية، أن غياب هذا التواصل، وتراجع التفاعل مع عناصر الطبيعة واختفاء المساحات الخضراء، يولد المشاعر السلبية والتوتر، ويقلل من مستوى التركيز والثقة بالنفس.

وهذا البعد عن الطبيعة، يصبح تحديًا جديدًا للشأن البيئي، حيث نعيش في بيئة رقمية، ونتعايش مع نمو وسائلها ومفرداتها، وجميعًا، كبارًا وصغارًا، نعمل ونتعلم في بيئة رقمية تلتهم أوقاتنا وتحجب العديد من الحواس البشرية من أجل التركيز بشكل ضيق على الشاشات مع تيبس الحواس باستثناء النظر والمشاهدة لملايين المواقف والمشاهدات، وذلك يخلق ما يسمى "ضريبة البعد عن الطبيعة"، وهو ما ينتج عنه تراجع استخدام الحواس، مع صعوبات التذكر والانتباه، وارتفاع معدلات الأمراض الجسدية والعاطفية، وارتفاع معدل قصر النظر، وسمنة الأطفال والبالغين، ونقص فيتامين د، وغيرها.

هذه الضريبة، تضع تحديًا إضافيًا لقائمة التحديات البيئية أمام د. ياسمين فؤاد وزيرة البيئة، ضمن ملفات مهمة منها جودة الهواء، وبدء عمليات التنفيذ لتحويل المخلفات إلى طاقة، وتشجيع الشركات الوطنية والعالمية للدخول في نطاق الاستثمارات الخضراء، والحفاظ على المياه وتطوير إدارتها، تحت مظلة "الاقتصاد الدائري"، فضلا عن ملف الحوكمة وغيرها عشرات الملفات فائقة الاهمية.
ما تقوم به وزارة البيئة الجديدة، والمتجددة، ثقة وآداء ومصداقية، هو إقامة الجسور، وبناء أنسجة الدمج بين أطراف المعادلة، وهما الإنسان، والطبيعة، وبينهما المعرفة، وبين حال البيئة في الداخل، واستحقاقاتها في الخارج.

للدولة دور فائق الأهمية في الشأن البيئي المحلي والعالمي، ولا حواجز بينهما، حيث يتاح للبيئة التكيف مع التحديات ومعالجتها، وأهمها اكتشاف حلول مبتكرة للترشيد، وتمويل المشروعات وإشراك القطاع الخاص، ودمج وتشبيك الوعي البيئي في أخلاقيات المجتمع، قبل تغيير سلوكيات أفراده عبر المجتمع المدني، وهي قضايا تجعل من أداء واهتمامات وزارة البيئة، يحاكي أداء وتأثير وزارات سيادية.

لقد حققت الإدارة المصرية الكثير من الأهداف البيئية، سواء التي حددتها الأمم المتحدة، أو وضعتها الحكومة عبر إستراتيجية وطنية حتى العام 2030، ما أتاح لمصر رصيدًا معتبرًا لمبادرات ومشروعات دعم الشأن البيئي في عدة مستويات، مثل النقل والطرق والتشييد والطاقة الجديدة والصناعة وإدارة المياه، مكنها من الوصول إليها وتحقيقها على مستوى العالم العربي والإفريقي، وهو ما يبشر بتحقيق تقدم رئيسي لإطلاق "استراتيجية الاستدامة المصرية" علي المستوي العربي، والإفريقي، والإقليمي، والعالمي.

وإذا كان تطبيق مبادئ "الحوكمة البيئية"، يأتي استكمالا لتطبيقات "مدونة سلوك بيئية" التي تباشرها الوزارة بالفعل، باعتبارها مظلة لأدارة وترجمة القوانين واللوائح والنظم البيئية إلى واقع تطبيقي متكامل، أي خارطة طريق حياتية لسلوك الفرد ونشاط المؤسسات.
منذ 5 سنوات شرعت وزارة البيئة في دراسة وتنفيذ منظومة غير مسبوقة لملف صعب التداول والتدوير، وهو إدارة المخلفات، بدأت بتعزيز الوعي للمواطن، والتدريب الفني، والدعم لمهارات متخذ القرار، بتمويل بلغ 26 مليار جنيه لبناء البنية التحتية في عموم مصر، وهي ضمن رؤى للوصول الى "إستراتيجية الاستدامة المصرية" وهو اتجاه مهم اليوم وغدًا، سعيًا للدخول في قائمة أفضل 30 دولة بيئيًا في العالم بحلول 2030.

واليوم، مع تكاثر ملفات الشأن البيئي وتزاحمها في الداخل والخارج، إلا أن فقه الأولويات يكاد يقدم في الصدارة، ملف الاستعداد لاستضافة مصر للدورة ال 24 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية حماية البيئة البحرية والمنطقة الساحلية للبحر المتوسط "اتفاقية برشلونة" في ديسمبر المقبل 2025، الذي سيكون، بإذن الله، لمصر ولدول المتوسط، استعداد مختلف..

[email protected]

كلمات البحث