Close ad

روايته الأحدث تتأمل محنة الفيلسوف ابن رشد.. إبراهيم فرغلى: لا أريد استعادة نصر أبو زيد

8-7-2024 | 20:09
روايته الأحدث تتأمل محنة الفيلسوف ابن رشد إبراهيم فرغلى لا أريد استعادة نصر أبو زيدإبراهيم فرغلى
سيد محمود
الأهرام العربي نقلاً عن

محنة العقل العربى الرافض للمنطق النقدى أبرز الهموم

موضوعات مقترحة

لم أكتب عن الأندلس لدغدغة حواس القارئ

أراهن على خلخلة القالب النمطى البسيط الذى قدمه يوسف شاهين فى فيلم (المصير)

 

يعرف المتابعون لأعمال الروائى إبراهيم فرغلى، مدى انشغاله بمحنة العقل العربي، فقد عالج قضية الرقيب فى روايتين على قدر كبير من الأهمية، الأولى هى رواية (أبناء الجبلاوى ) والثانية هى (معبد أنامل الحرير) وبخلاف هاتين الروايتين، فإن أعماله الأخرى أظهرت انشغاله بالفانتازيا وتناقضات الواقع، واعتمدت على السرد الغرائبى لاسيما فى روايته ( قارئة القطار ) التى نالت جائزة نجيب محفوظ، التى يمنحها المجلس الأعلى للثقافة،كما نال فرغلى جائزة ساويرس فئة كبار الكتاب فى دورتين، بما يؤكد جدارته كصوت روائى متمهل يعرف ما يرغب فى الرهان عليه.

كما يمتلك الجرأة للتعامل مع قضايا شائكة تخص التصورات الشائعة عن الجسد فى المجتمعات العربية.. وأخيرا صدرت عن دار الشروق روايته الأحدث (بيت من زخرف)، التى تستعيد سيرة الفيلسوف العربى ابن رشد، وتتأمل فى محنته مع الخليفة المنصور، ويستطيع القارئ بسهولة إدراك الرسائل التى يرغب الروائى فى تمريرها.. هنا حوار معه حول الرواية التى تثير الكثير من التساؤلات، خصوصا أنها مهداة إلى المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، والذى استلهم جوانب من سيرته فى الرواية وصاغ شخصية روائية تتقاطع معه إلى حد كبير.

< قلت لإبراهيم فرغلى لاحظت أن الخط العام فى أعمالك اعتبارا من (أبناء الجبلاوي) أصبح معنيًا بفكرة المواجهة مع الرقيب والتأكيد على حرية التعبير كقيمة أساسية فهل تعتبر الرواية الجديدة استكمالا لهذا الخط؟

مؤكد، فمحنة العقل العربى الرافض للمنطق النقدي، والكارثة الخاصة بالأمية المعرفية والثقافية فى المجتمع المصرى خصوصا، والمجتمعات العربية إجمالا تأتى كهم من أبرز الهموم التى أحاول تأملها سرديا منذ أبناء الجبلاوى والمؤكد أن سيرة ابن رشد المتخيلة والمقترحة فى “بيت من زخرف” وامتدادها فى الشخصية الرمزية المعاصرة؛ سعد الدين إسكندر هما دليل على محنة العقل العربى، الذى يعانى من خصومة ممثلى ثقافة النقل الحرفى ودفن الرؤوس فى تراب الجهل، والزعم بأن التفكير خروج عن الإجماع، وصولا للتكفير.

 

كما أن الرواية أيضا تقترب من المنهج العقلى للتراث الإسلامى، الذى كان يعارض من يختلف معهم بالنقاش والحوار، بوصفه أساسا من أسس العقلانية، وهو ما فعله ابن رشد بكتابه “تهافت التهافت”، فلم يجيش مثلا أنصارا لفكره، لكى يمنعوا كتاب الإمام الغزالى أو يحجبوا أفكاره، ولم يجيش العوام لتأليب الجمهور على من يخالفه، بل رد عليها بندا بندا مقدما نموذجا رفيعا فى ثقافة الإيمان بالتعددية، والحوار الفكري، ومقارعة الفكرة بمثيلتها، وهذا بالمناسبة ما فعله نصر أبو زيد فى كتبه التى تناول فيها بالنقد مشروع الفكر السلفى بكل أطيافه المتشددة والمحسوبة على ما يقال عليه التيار الوسطي. بينما قام من اختلف معهما بتقديمهما للمحاكمة وحرق كتبهما وإقصائهما بكل الوسائل.

< تتكرر عندك ثيمة الهوس بالكتب والمخطوطات أيضا، فالسرد فى الرواية الأحدث يعتمد على إحداث الانتقال الزمنى من خلال الغوص فى المخطوطات المتروكة؟

ربما يأتى ذلك كحيلة رمزية للاحتفاء بالمدونات التى تحتوى الأفكار، فالمخطوط والكتاب وحتى جداريات المصريين القدماء، التى دونت عليها معارفهم من المنجزات البشرية، التى تأسرنى فى كيفية الاهتمام بالمعرفة وتخليدها، ومن أكثر ما يثير الغضب والذهول، أن يصاب مجتمع ما بالتعصب والجهل برغم أنه ليس مجتمعا حديثا ناشئا، بل ينحدر من جذور حضارية قديمة ووارث لتراث معرفى سابق زمنه، لكنه مصاب بالعمى، أظن أن موضوع الكتاب والمخطوط، وهما بشكل عام من أجمل ما أنتجته البشرية، يأتى للتأكيد على أن خلاص أى مجتمع، لا يمكن أن يتحقق بدونهما المخطوط والكتاب، فلا حضارة تقوم وتستمر بدون ذاكرة، ولا معرفة تتخلق بلا تدوين، بقول آخر لا تتحقق النهضة بدون المخطوط والكتاب: الأول لبناء العلاقة مع التراث والماضى، والثانى لسد الفجوة المعرفية الهائلة التى نعانى منها.

< ما دلالة إهداء الرواية إلى نصر أبو زيد. وتمثل تجربته فى صورة نموذج لبطل روائى يماثل ابن رشد، ولماذا فعلت ذلك على ضوء مخاطر تخييل سيرة مفكر معاصر؟

أظن أن سعد الدين إسكندر، وإن بدا فى سيرته الكثير من التقاطعات مع سيرة نصر أبو زيد، لكنه فى الحقيقة هو رمز أكبر وأكثر شمولا لنماذج عديدة من المفكرين المصريين والعرب المعاصرين الذين تعرضوا، إما لسلاح التكفير أو القتل أو الإقصاء أو المنع، من فرح أنطون إلى على عبد الرازق وطه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودة، وكل مفكر دعا لتحرير العقل من الجمود ومن منطق النقل بلا اختبار، لمدى ملاءمة هذه الأفكار للمنطق الإنسانى وجوهر أى حكمة أو شريعة.

أعتقد كذلك أن سيرة نصر حامد أبو زيد أيضا، سيرة كفاح رجل عصامى بنى نفسه بنفسه، خصوصا كباحث مستقل يبتغى المنهجية والحقيقة، وهذا هو مركز اتصاله فى تقديرى بابن رشد من حيث الغاية، ولهذا اخترت أن يكون التخييل ليس لإعادة اختلاق سيرة نصر أبو زيد سرديا، بل بتشييد صورة تخييلية رمزية له، تهتم بأفكاره أكثر من تفاصيل حياته.

< تبدو الحلول التقنية فى الرواية متكررة وتقليدية فى التوازى بين المسارين المعاصر والتاريخى وتقنية البحث عن المخطوطات من خلال شخصية مانويلا فهل ترى ذلك؟

طبعا كل كاتب يتمنى أن يكتب نصا “أصليا” أى غير مسبوق، له فكرة مدهشة مثل العطر على سبيل المثال، أو ربما مثل رواية قرأتها أخيرا وأعدها من أجمل ما قرأت، وهى قاموس ماتشياو للكاتب الصينى هان شاو جونج، لكن العودة للتاريخ ربما تضع بعض القيود خصوصا لو أردت أن تقدم أيضا معالجة غير تقليدية، وبناء جسر بين التاريخى والمعاصر ورواية ( بيت من زخرف ) كتبت على أربع مراحل لكل منها أسلوب مختلف تماما، وشخصيات مختلفة تماما، وقد قطعت فى كل مرحلة منها شوطا طويلا، ثم قررت الحذف والبناء من جديد، حتى وصلت للشكل الذى خرجت به، وهذا كله لمحاولة عمل حبكة مقنعة، وبناء نص روائى يميل للتجديد، حتى لو اتكأ على حيلة تقليدية مثل حيلة المخطوط.

< لدى شعور بهيمنة النص التاريخى على النص؟

أظن أن هذا الأمر شديد الأهمية فى نص لم أبتغ منه أن يجد القارئ داخله حكاية تدغدغ حواسه عن الأندلس، على طريقة الرواية الغربية التى تناولتها من منطق عوالم ألف ليلة الاستشراقية، ولا طريقة الرومانسيين العرب الذين يستعيدون الأندلس بأشواق الباحثين عن جنة ضائعة، أو حتى رواية تغلب عليها تتبع الصراعات النفسية على السلطة وعلاقات الحب، كما لدى جورجى زيدان، وأساسا كنت أود تقديم صورة تخلخل القالب النمطى البسيط، الذى قدمه يوسف شاهين فى المصير عن ابن رشد، والأهم من هذا كله أننى رغبت فى توفير جانب من أفكار ابن رشد للقارئ، وليس مجرد اختلاق حكايات أو سيرة درامية للمتعة والتشويق. ولهذا كان لا بد من منح النص التاريخى أهمية كبيرة.

< فى تقديرك لماذا تتم استعادة ابن رشد بعد استعادة ابن عربى فى رواية (موت صغير) للروائى السعودى محمد حسن علوان، ما الدوافع التى تقف خلف هذه الاستعادة؟

أعتقد أن استعادة ابن رشد مهمة لكسر نمطية الرؤية السائدة عن ابن عربى فى مجتمعات، تجعل من الفكر مجرد عمليات التذاذ فكرى وروحى، وهو رجل لديه سيرة جذابة، ويتمتع بلغة فاتنة وأفكاره عن الإلهام والكشف الإلهى والعالم الروحى، لها صدى كبير فى الشرق والغرب. لكنى أحيانا أقول إنه فى مجتمعات شاعت فيها الأفكار الروحانية وأصداء الإشراقات الصوفية، وأستعيد فيها ابن عربى أو مدونات العشق الإلهى المثيلة لما ساد فى الغرب والشرق مع موضة “الرومي” أين ذهبت بها؟ أو أين ذهب بنا هذا كله؟ فى الحقيقة لا أعتقد أننا ذهبنا أبعد من مرحلة جديدة من الدروشة بمعنى ربط التحولات المادية فى العالم، بالممارسات التى تحمل طابعاً روحياً من ذلك، مثلاً الاعتقاد السائد بأنَّ التزام الناس الشعائرَ الدينيةَ، أو حتى إعلان تطبيق الشريعة فى بلد ما، أو وصول أشخاص معروفين بالتدين إلى سدة الحكم، سوف يؤدى بصورة شبه أوتوماتيكية إلى تحول فى الحياة والاقتصاد، بحيث تتنَّزل النعم والبركات على الناس، من دون سعى ولا حساب كما يقول مالك بن نبى على سبيل المثال، أنا أعتقد أن ابن رشد رفض الدروشة بهذا المعنى، ولهذا تؤكد السيرة أن اللقاء بين ابن عربى الصبى وابن رشد الشيخ لم يكن مقدرا له أن ينجح أو يتكرر، كان ابن رشد أساسا شديد التشكك فى مناهج المتصوفة. وبشكل شخصى أرى أن ابن عربى كان شديد الإعجاب بنفسه، وانظر حتى الطريقة التى وصف بها لقاءه مع ابن رشد، وهو كان غرا لم يظهر شاربه، كما وصفه ابن رشد ويتحدث وكأنه عالم كبير بينما ابن رشد كان مهتما بالفكر، وتأكيد العلاقة الوثيقة بين الشريعة والفلسفة والإصلاح الاجتماعى بشكل حقيقي.

< فى تقديرك وأنت مولع بأدب الرحلة لماذا يتكرر الحديث عن أسطورة الأندلس هل هو الإصرار على تثبيت الأسطورة أم هى الرغبة فى نقدها؟

الأندلس بالتأكيد حالة نادرة فى الثقافة الإنسانية بشكل عام. وبشكل شخصى بعد زياراتى للأندلس، كنت أشعر أننى لا أستعيد أطلالا، بل أعود لمرحلة زمنية تبدو كأنها تقدم فى الزمن طبعا هناك تناول رومانسى استشراقى من الغرب للأندلس، والتركيز على مظاهر البذخ والتنوع وحريم السلطان، وغيره من مثل هذه المظاهر الرومانسية الشائعة فى الكتابات الغربية، بالإضافة إلى أنه يراها جزءا من التراث الأوروبى أو التاريخ الأوروبى، وهناك تناول عربى يرى فى الأندلس الفردوس المفقود. فرصة المسلمين الضائعة فى السيطرة على الغرب بينما يركز البعض على المنجز الفكرى والحضارى، ويحاول فهم أسباب تحقق ذلك وأظن أننا نحتاج فعلا لاستعادة وفهم الطريقة التى أنجزت بها الحضارة العربية الإسلامية، هذه النهضة التى رافقها الكثير من متغيرات لها علاقة بالبيئة مثل تعايش المسلمين مع المسيحيين واليهود، وشيوع حلول مبتكرة جدا فى مسائل العمارة والبناء والزراعة والرى والتدفئة فى البيوت والفنون، وصولا حتى لفن الإتيكيت الذى ابتدعه زرياب فى إشبيلية، لكن انهيار هذه الحضارة بسبب التفتت السياسي، وشيوع التيار اللاعقلانى المتشدد الذى بدأ فى اضطهاد اليهود مثلا، وبدا فى منع الكتب وحرية الفكر، وهو ما بدأ بعد انهيار الخلافة الأموية وصولا للفترة التى عرفت بملوك الطوائف التى كادت أن تنتهى فيها الأندلس، بسبب الضعف الشديد لولا الاستعانة بالمراكشيين المرابطين ثم الموحدين الذين عايشهم ابن رشد، وشهدت فترة مهمة مع الخليفة أبو يوسف يعقوب ابن عبد المؤمن، ثانى خلفاء الموحدين وكان رجلا يجمع بين الرغبة فى العلم تشهد عليها صداقته مع ابن طفيل، ثم تكليفه لابن رشد بترجمة أرسطو، ومع ذلك كان معروفا بأنه مقاتل شرس فى المعارك وقد قتل فى إحداها بالفعل بينما ابنه الخليفة المنصور هو الذى منع كتب ابن رشد ونفاه. وهذا كله يحتاج للتحليل والفهم والنقد. تجربة الأندلس فعلا تحتاج لتأمل بل ربما فهمها، يمكنه أن يجعلنا نفهم واقعنا العربى اليوم وكيف تسقط الحضارات إذا تم تفتتيها وإضعافها معرفيا وفكريا.

< تبدو عملية رسم علاقة عشق متخيلة لابن رشد مع تلميذته خطوة جريئة فى مقاربة سيرة رجل فكر وفقه، وبالتالى فإننى أتساءل هل هى الرغبة فى جذب القارئ أن أنسنة الشخصية التاريخية وتحريرها من الأسطورة؟

الفكرة نفسها طرقت سرديا من قبل سلمان رشدي، وربما غيره. لكن كان ذلك تناولا غرائبيا تماما. ولكنى اخترت فكرة الأنسنة كما أشرت، فهذه مساحة يمكن بها سد فجوات تتعلق بشخصية ابن رشد الذى كان لإقصائه دور فى محاولة الإساءة له، والتقليل من شأنه، وبالتالى كان بعض كتاب السير يقدمون له أوصافا قد لا تبدو منطقية، وفق السياق العام الشائع لعالم أمضى حياته يدرس ويكتب، وحتى المحبون له والأنصار كانوا يبالغون أيضا أحيانا، أحببت أن أوجد له مساحة كإنسان عادى بعيدا عن محاولات أسطرته أو شيطنته على السواء.

< هل توافق على أن النص يقدم إدانة للمثقفين كما أشرت فى الجزء السادس من الرواية؟

بالتأكيد، فكل إنجاز أو تراجع للثقافة فى أى مجتمع، يرتبط بمستوى المثقفين ووعيهم وليس بالسلطة فقط، كما يسود اليوم. أغلب المثقفين اليوم يرمون كل السلبيات على الحكومة أو النظام، وهذا مفهوم لكنه يغدو مجرد محاولة للتطهر وتبرير السلبية والعجز وعدم الكفاءة وهذا ظنى وتقديرى لما نعيشه اليوم كمثقفين: مجموعة من العجزة الذين بدلا من بحث أسباب عجزهم وعلاجها، يختلقون صراعات وهمية أو يستقوون بالغرب لا تغيير يمكن أن يحدث بدون تغيير المثقفين لأدواتهم البالية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: