Close ad

انطلقت منه انتفاضة الحجارة الأولى.. مخيم «جباليا» شاهد على ملاحم الصمود

8-7-2024 | 18:54
انطلقت منه انتفاضة الحجارة الأولى مخيم ;جباليا; شاهد على ملاحم الصمودمخيم جباليا
زينب هاشم
الأهرام العربي نقلاً عن

فتحى كليب: إسرائيل فشلت فى تدميره بسبب تماسك الشعب الفلسطينى

موضوعات مقترحة
محمد الحمامى: قدم العديد من الشهداء فى الانتفاضة الفلسطينية الأولى
رائد ناجى: جباليا فى الشمال عصية على الاحتلال
موسى سعود: المخيم تطور على مدار 75 عاما

يعتبر مخيم جباليا، حالة خاصة من النضال، التى عاشها ويعيشها الشعب الفلسطينى منذ مئات السنين، وهو الشاهد على بسالة شعب عانى الأمرين من آلام الفقد والقتل والتعذيب على يد جيش الاحتلال، وأمام أسلحة العدو بتطورها وتقنياتها الحديثة يصمد شعب، يسكن المخيم ويستخدم أدواته البسيطة المميزة، بقوة إصرارهم على الدفاع عن بلادهم وحقهم فى الحياة. “الأهرام العربى”، تتحدث مع عدد من الرموز الفلسطينية، لنتعرف على مخيم جباليا، ورسم صورة واضحة له، عن قرب.

فى البداية، يتحدث فتحى كليب، عضو المكتب السياسى للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قائلا: جباليا قصة صمود وتاريخ طويل، فتاريخيا كانت المخيمات الفلسطينية، أحد الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل، ليس فقط عبر تدميرها وزرع الموت والرعب فى أزقتها، كما حصل فى الكثير منها مثل جنين فى الضفة الغربية، جميع مخيمات لبنان ومخيمات قطاع غزة، بل وأيضا عبر ضرب الركن الثانى لحق العودة بعد المخيم، وهو وكالة الغوث، غير أن إسرائيل فشلت فى تحقيق هدفها، بسبب تمسك الشعب الفلسطينى بمخيماته، وإدراكه لأهمية المخيم فى سياق التمسك بحق العودة، برغم سوء الأوضاع الاقتصادية، وعدم وجود بنية تحتية فى بعضها، وارتفاع نسب الكثافة السكانية لتصل إلى أرقام خيالية.

ويضيف كليب قائلا: مخيم جباليا هو أحد النماذج الحية الشاهدة على حكاية الصمود الفلسطينى، وما شهده هذا المخيم خلال حرب الإبادة الجماعية التى ترتكبها إسرائيل فى قطاع غزة، وهو امتداد لمسلسل طويل من الاستهداف والمعاناة والصمود، وبالتالى لا يمكن فهم ما يحصل فى هذا المخيم من حكايات تقترب من الأسطورة، وملاحم تعجز الكلمات عن وصفها، إلا حين نعلم معنى تحول كل الشعب إلى فعل مقاومة، فقد هجر أبناء المخيم من قرى ومدن فلسطينية عدة عام 1948 (المجدل، عسقلان، يافا، الرمل، اللد، وغيرها)، وذلك نتيجة أعمال الإرهاب والجرائم التى ارتكبتها العصابات الصهيونية، وقد اختار السكان مدينة جباليا لقربها من تلك الأماكن، وقد تولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبعض منظمات الإغاثة مهمة إغاثة اللاجئين إلى أن تم تأسيس وكالة الغوث (الأونروا)، التى تولت مسئولية تقديم الخدمات.

ويمضى فى الحديث، عضو المكتب السياسى للجبهة الديمقراطية قائلا: تأسس المخيم عام 1954، بالقرب من مدينة جباليا القريبة شمال شرقى القطاع، ولم يزد عدد سكانه فى تلك الفترة على 5587 عائلة، ارتفع العدد عام 1967 الى ما يزيد على 35 ألف نسمة، ووصل عام 2017 نحو 49 ألف نسمة، فيما تشير الأرقام حاليا إلى أن عدد السكان تجاوز 120 ألف نسمة، على مساحة جغرافية لا تزيد على 1.4 كيلومتر مربع، الأمر الذى طبع المخيم باعتباره الأكثر كثافة فى السكان على مستوى كل المخيمات فى فلسطين، وهو ما ميز مخيم جباليا عن غيره من المناطق الواقعة شمال قطاع غزة، أن غالبية سكانه لم تنزح باتجاه وسط وجنوب قطاع غزه. ولأن المخيم هو الأكثر كثافة فى السكان، حاول الاحتلال أن يضغط على فصائل المقاومة عبر حاضنتها الشعبية، من خلال تدمير كل شىء، لكن الذى حصل هو أن تحولت أكوام الركام إلى سواتر ودشم وأنفاق لفصائل المقاومة، وجدار منيع خصوصا فى المواجهات المباشرة من مسافة صفر، حيث نجحت فصائل المقاومة من نصب كمائن عدة لأفراد جيش الاحتلال، وأوقعتهم بين قتيل وجريح أى تحولت المشكلة إلى فرصة والمأساة الإنسانية إلى أزمة تعمق معاناة الاحتلال، كما خضعت مدينة جباليا ومخيمها تاريخيا، كما كل القطاع، للإدارة المصرية التى انتهت مع احتلال إسرائيل للقطاع، ولأجزاء واسعة من الأراضى المصرية عام 1967، وخلال 38 عاما من الاحتلال الإسرائيلى المباشر للقطاع، شكل مخيم جباليا مشكلة أمنية حقيقية للاحتلال، الذى لم يتمكن من السيطرة على أزقته وأحيائه، نظرا لكثافته السكانية المرتفعة، فارتكب بحق أبنائه العديد من المجازر.

ويتابع كليب قائلا: كما ارتبط اسم المخيم بانتفاضة أطفال الحجارة عام 1987 التى انطلقت من مخيم جباليا يوم 8 ديسمبر، بعد أن قام سائق شاحنة إسرائيلى بصدم 4 عمال فلسطينيين وقتلهم، ما أدى الى ثورة شعبية، سرعان ما امتدت لتشمل كل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية فى الضفة الغربية وقطاع غزة، التى استمرت حوالى ستة أعوام. ومن أجل السيطرة الأمنية على المخيم، طرحت إسرائيل العديد من مشاريع نقل آلاف اللاجئين إلى مناطق فى رفح وخان يونس، وحى الشيخ رضوان وغيره من المناطق، لكنها باءت جميعها بالفشل وظل المخيم عقدة أمنية لإسرائيل، حتى انسحاب جيشها من المخيم والقطاع عام 2005. لكن برغم انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، فإن مشكلة جباليا الأمنية ظلت حاضرة، وحاولت إسرائيل أكثر من مرة فى الحروب التى شهدها القطاع بعد الانسحاب الدخول إلى جباليا، لكنها فشلت على الدوام وكما يبدو واضحا الآن، أن هناك رابطا قويا بين وجود هذه المخيمات ووجود الكيان الإسرائيلى، فهى بنظر الفلسطينيين الشاهد على النكبة التى حصلت عام 1948، والشاهد على كل المعاناة التى تلت ذلك التاريخ. وفى المقابل هى بالنسبة لإسرائيل الشاهد الحى على الجريمة التى ارتكبتها بحق مئات الآلاف من اللاجئين، ومن يعرف المخيم وأزقته يلاحظ أن أحياءه ككل المخيمات فى فلسطين وخارجها موزعة، إما على أسماء المدن والقرى التى هجر منها اللاجئون فى أراضى عام 1948، أو على أسماء العائلات المهجرة، لذلك من الطبيعى أن يكون المخيم بالنسبة لإسرائيل، بمثابة العقدة التى لن تنتهى إلا بتصفيته وقتل وتهجير أهله، وهذا ما يحدث فى مخيم جباليا وكل مخيمات القطاع، وهذا ما يحدث أيضا فى مخيمات الضفة، وهو ما حصل كذلك فى مخيمات الشتات أيضا وللهدف ذاته.

ويؤكد كليب أن الاستخلاص الرئيسى والمهم، لما يحصل ليس فقط فى مخيم جباليا بل وفى كل قطاع غزة، أن هناك بذرة من الحقد والكراهية قد زرعها الاحتلال، ولا أحد يعلم موسم حصادها، خصوصا أن هناك أكثر من 16 ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى هم من الأطفال، إضافة إلى أن نحو (17,000)، منهم يعيشون دون أحد والديهم أو كليهما، وهذا سيترك انعكاسات على أجيال قادمة، أى أن بسالة وصمود الشعب الفلسطينى ومقاومته فى قطاع غزة، لا يمكن لأحد أن يفك الغازها إلا من عرف معنى الظلم والقهر والاحتلال والعدوان، وما قيل قبل العدوان إن غزة ستتحول إلى مقبرة للاحتلال، لم يكن من قبيل المبالغات والتهويل، بعد أن تحولت الأرض والشجر والحجر والسهول والأهواء إلى مقاومة، ولعل نزار قبانى كان أكثر من توقع هذه البسالة، حين قال فى أبياته الخالدة: يا تلاميذَ غزّة عَلّمونا بعضَ ما عندكم فَنَحنُ نِسينا.. عَلّمونا كيف الحجارةُ تغدو بين أَيدى الأطفالِ ماسًا ثَمينًا.. كيف تغدو درَّاجة الطِّفلِ لُغمًا؟ وشَريط الحرير يغدو كَمينًا.. كيف مصّاصة الحليب إذا ما اعتقلوها تحوَّلت سِكِّينا.

ويستكمل الحديث محمد الحمامى، ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قائلا: مخيم جباليا رمز من رموز النضال الفلسطينى، خصوصا أن انتفاضة الحجارة الأولى اندلعت من مخيم جباليا، هذا المخيم ذو المساحة الجغرافية كيلو ونصف الكيلو متر مربع، وعدد سكانه فى الوقت الحالى يزيد على 140 ألف نسمة، يضم 12 “بلوك”، يسمى “بلوك” بكل تأكيد لأنه تأسس عام 1948، بفعل النكبة الوطنية الكبرى التى تعرض لها شعبنا الفلسطينى على يد العصابات الصهيونية، ومعظم سكان المخيم هم من القرى والبلدان المجاورة من شمال قطاع غزة، خصوصا عسقلان والمجدل وسدود وبيت جرجا وجية، هذه القرى التى كانت تسمى وقت التقسيم العثمانى، لواء شمال غزة ومعظم سكانه من شمال فلسطين من يافا، ومن اللد والرملة، وبكل تأكيد كانت شرارة الانتفاضة الأولى عصية على جيش الاحتلال، حين قام بدهس مجموعة من الفلسطينيين الذين استشهدوا وأصيب عدد منهم، ومن ثم اندلعت الانتفاضة الأولى، التى عمت كل أرجاء الأرض الفلسطينية المحتلة، سواء فى قطاع غزة، أم فى القلب منها فى القدس.
ويستكمل الحمامى الحديث، قائلا: هذا المخيم، قدم العديد من الشهداء والأسرى فى الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وقبل اتفاق أوسلو قدم الشهداء، بفعل إقدام قوات الاحتلال على قتل واغتيال ستة من القادة ما يعرف بصقور فتح آنذاك، وقدم الشهيد عماد عقل وهو قائد إحدى كتائب القسام، ناهيك أن اللبنات الأولى لفصائل التحرير الفلسطينية، نتحدث عن الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحركة فتح قبل ذلك، وقد تأسست هذه الفصائل وصنعت مجدا لها بفضل هذه المخيمات، نخص بالذكر منها مخيم جباليا، الذى يعتبر أكبر مخيمات قطاع غزة وأكبر مكان فيه كثافة سكانية.

ويمضى فى الحديث محمد الحمامى، قائلا: سر الصمود فى مخيم جباليا بشكل خاص، وفى هذه الحرب بشكل عام بكل تأكيد، هو شعبنا الفلسطينى، الذى تعرض للنكبات والنكسات والاغتيالات والويلات والاعتقالات، ولا يوجد بيت فى مخيم جباليا، إلا وبه وفيه شهيد أو جريح أو أسير، فى ظل هذا العدوان النازى على الشعب الفلسطينى، وبرغم ذلك لم يستطع الاحتلال دخول هذا المخيم، وبرغم قيامه بمسح شمال قطاع غزة وتوسعه، وامتداده إلى مشروع بيت لاهيا وإلى المناطق الأخرى، فلم يستطع الاحتلال دخول بيوت هذا المخيم، حتى فى جولة العدوان الأولى التى تم فيها تدمير ستة بلوكات، بمعنى خمسين بالمائة من مساحة المخيم وبالمرة دمر باقى البنايات الموجودة بهذا المخيم المكتظ بالسكان، وأباد عائلات بأكملها ومسحها من السجل المدنى، لكن المقاومة لقنت الاحتلال دروسا بالشجاعة، وكل ما تم فعله لن نقول قتل الأطفال والنساء، ونتحدث عن المدارس ووكالة غوث وتشغيل المدارس الخاصة بالأونروا والتى تم تدميرها بأكملها عن بكرة أبيها والمستشفيات التابعة أيضا للأونروا، تم تدميرها وكل الخدمات الصحية التابعة للمخيم، فقد تم تدميرها وكذلك تم تدمير كل مناحى الحياة فى هذا المخيم، وبرغم هذا كله فنتحدث عن صمود المخيم منذ هذا العدوان، لأن شعبنا الفلسطينى بالأساس صامد، ولم يستطع الاحتلال تركيعه وتطويعه.

ويتابع لذلك كانت المخيمات، تسمى منذ أنشئت بمعسكرات وعندما نتحدث عن معسكر بمعنى مكان للتدريب من أجل العودة، والمعسكر مفهوم عسكرى والمخيمات سمتها الأونروا، لكننا كشعب فلسطينى نطلق عليها «معسكر»، فيتخرج جيل وراء جيل، من أجل التحرير لعيون شعبنا فى المخيمات التى كان يعتقد أهلها بأن الكبار يموتون والصغار ينسون، لكن الآن فى قطاع غزة الكل عينه على العودة للبيوت والممتلكات التى تم تدميرها من قبل، وهذا الاحتلال المجرم الذى لقنته المقاومة دروسا فى الشجاعة، وكذلك فى مخيمات الوسط الذى يعيد الكرة الآن وفى مخيمات الجنوب وفى رفح، ولم يستطع دخول مخيماتنا فى رفح، هذه المخيمات التى يعيش فيها شعبنا متلاصقا وحتى البيوت بدون بنية تحتية، فيحيون حياة صعبة جدا، وبكل تأكيد سيخرج منها رجال أشداء لهم باع كبير من الشجاعة والبأس والصلابة، ولا يستطيع الاحتلال أن يطوعه طوال 76 عاما .

يؤكد الحمامى أن مخيم جباليا يشكل عقدة لدى الاحتلال الإسرائيلى، فلم يستطع دخول المخيم، وكل ما استطاعه دك هذا المخيم بالقنابل المحرمة دوليا، لهذه المساحة الصغيرة ولإتمام عملية الإبادة، ومع ذلك لم يستطع أن يجابه هذه المقاومة، والجميع شاهد على العملية التى راح ضحيتها جنود الاحتلال وتكتموا على هذه العملية، فأصبحت المخيمات بكل تفاصيلها عقدة هذا الاحتلال، لأن فكرة العودة إلى الديار، ثابتة فى عقول الأطفال والكبار أى أن المخيمات عصية على الاحتلال .

ويلتقط أطراف الحديث رائد ناجى، كاتب فلسطينى وأستاذ جامعى ومحلل سياسى، الذى تحدث عن سبب تسمية مخيم جباليا بهذا الاسم، قائلا: مخيم جباليا بدأ عام 1945، وشكل فى عام 1948 عندما نزح إليه 35 ألف فلسطينى، من مناطق الثمانية وأربعين التى يحتلها اليوم الاحتلال، ويقيم عليها كثيرا من مدنه المعروفة تل الربيع وغيرها من المدن أى أن تكوين المخيم، جاء نتيجة النزوح الفلسطينى للشعب الصامد، كما أن أبطال هذا المخيم هم الذين تجرعوا مرارة النزوح والقتل والتشريد، ومن ثم جاءوا إلى منطقة جباليا للشمال وتسمى بشمال قطاع غزة، وتسمى جباليا لأن بها جبلاً من الرمل يرتفع عن سطح البحر بـ 45 قدما، ولابد أن نورد تذكيرا مهما أيضا، أن جباليا، هى المنطقة التى انطلقت منها شرارة الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة لأبطال الحجارة كما تسمى عام 1987، وكانت الشرارة منها عندما قام الاحتلال بقتل مجموعة من العمال ينتمون إلى هذا المخيم، فاندلعت شرارة الانتفاضة الأولى، وأصبحت تتصدر الصحف العالمية.

ويضيف رائد قائلا: الجدير بالذكر أنه قبل أن تسمى منطقة جباليا اليوم، أن هذه المنطقة الشمالية، كانت عصية، فبعد الحملة الفرنسية على مصر أراد نابليون أن يكمل احتلاله بغزة، وقفت مصر فى منطقة الشمال موقفا شجاعا فى الدفاع عن غزة، مما جعل نابليون يغير مساره ويتجه إلى عكا فيهزم، بل إذا عدنا للتاريخ القديم، نجد أن الإسكندر المقدونى يقول، إن منطقة الشمال عصية وعلى مر العصور، حتى إن بعض الكتب التاريخية تقول إنه تم حصارها 60 يوما، وبعض المراجع تتكلم عن أقل من هذا التاريخ، أى أن المتفق عليه أن غزة ومنطقة الشمال بالتحديد، التى تقع جباليا فيها عصية على الاحتلال، وحول هذا الصمود نجد عدة مرتكزات، المرتكز الأول هو أن هؤلاء نزحوا وهجروا قصرا، نتيجة المجازر الصهيونية التى تم ارتكابها فى عام 1948، وهم الآن لا يمكن أن ينزحوا مرة أخرى، أو يتم تهجيرهم خارج فلسطين، لأنهم يعرفون اليوم إذا ما هجروا لن يجدوا مكانا آخر لهم، والنقطة الثانية دائما منطقة الشمال، منطقة حامية ترتكز فيها الكثير من مقومات النضال، التى تعود إلى توريث الأبناء والنضال عن طريق الآباء الذين هجروا أثناء النكبة، ومن ثم أصبح اليوم هذا الجيل موقفاً بأن البقاء والانغماس فى أرضه، هما أحد المعطيات المسلم بها، فإذا سقط الشمال ستسقط الكثير من أجزاء غزة .

ويتحدث الفلسطينى موسى السعود، مسئول سكرتارية الأطر الطلابية فى قطاع غزة عن تطورات المخيم، قائلا: المخيم تطور مثلما تطور أى عنصر آخر، فقد مر عليه 75 عاما من التطور، فكانت البداية عبارة عن خيام ثم من الغرف الطينية، ثم من الغرف الإسمنتية وبالطبع المخيم دائما يحمل طابع الكثافة السكانية، ويكون شكل البناء فيه غير منظم وعشوائى وملتصق، وهو السبب فى وجود الكثافة السكانية العالية، لاسيما أن جباليا من أول مخيمات المقاومة الفلسطينية، يقع فى الشمال الشرقى من مدينة غزة، يقطنه أكثر من 160 ألف لاجئ يعيشون فى هذا المخيم، يطلق عليه خزان الثورة الفلسطينية، لأن الانتفاضة الأولى اندلعت من داخل هذا المخيم عام 1986، وشهد أول فكرة لصناعة الصواريخ ولدت على يد الأخوين تيتو وخالد مسعود، وسر الصمود هو أن هذا المخيم يحمل الإرث التاريخى، على أنه خزان الثورة والنضال الفلسطيني، وأيضا للكثافة السكانية بهذا المخيم ولارتباط الناس بمنازلهم فيه، لأنهم يديرون مصالح تجارية صغيرة داخل هذه المنازل، وهم يعيشون على هذه المشروعات الصغيرة، أى أن البيت بالنسبة لهم بيت مأوى ومصدر للرزق .
ويمضى السعود فى الحديث، قائلا: يعتقد الناس هناك أن من ترك بيته وخسر حياته، وأيضا لطابع النضال المطبوع فى وجدان هذا الشعب فى المخيم، فكانت دائما لهم وقفة خاصة بهم، فى أى قضية فلسطينية على مر التاريخ، والناس هناك تربو على عقدة اللجوء، لأن أغلب الناس لجأوا من المدن الفلسطينية من يافا وحيفا والرملة وعكا، ودائما ما كانت لديهم عقدة من النزوح والتهجير، فأجدادهم هجروا ويعتقدون أن هذه الأجيال جيل التحرير والعودة إلى أراضيهم المحتلة، التى هجر منها أجدادهم، ويعتقدون أيضا أنهم يجب أن يتقدموا عشرات الخطوات إلى الأمام لتحرير فلسطين، لا العودة خطوة إلى الوراء، ومن أبرز أبطال المخيم وإن كان يصعب حصرهم، هم عماد عقل وإبراهيم أبو علبة وإبراهيم حسونة وفوزى بو الجرع، والقائمة تطول، فهذا المخيم دائما ما كان يخرج الأبطال والمناضلين والشهداء والقادة التاريخيين لثورتنا الفلسطينية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: