Close ad

رحلة كتبت تاريخ أمة الإسلام.. ماذا حدث ليلة الهجرة النبوية الشريفة؟

7-7-2024 | 16:45
رحلة كتبت تاريخ أمة الإسلام ماذا حدث ليلة الهجرة النبوية الشريفة؟الهجرة النبوية الشريفة
أحمد عادل

للهجرة النبوية الشريفة منزلتها الكبيرة في قلوب جميع المسلمين؛ لذا فلا عجب أن يؤرخ المسلمون أيامهم بهذا الحدث الديني والتاريخي العظيم، ويُقصد بها هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبه الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ من مكة المكرمة إلى يثرب، والتي تغير اسمها إلى المدينة المنورة بعد الهجرة إليها؛ وكان السبب في تلك الهجرة هو ما تعرض له المسلمون الأوائل من أذى وتعذيب زعماء قريش، الذين رفضوا الرسالة المحمدية كفرًا وجحودًا بها. 

موضوعات مقترحة

أذى المشركين في عام الحزن

زاد أذى كفار قريش لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاة عمه أبي طالب، والذي كان حائط صد منيع يحول دون استفحال أذى المشركين، وفي تلك الفترة فقد النبي الكريم زوجه خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ وسُمي هذا العام بعام الحزن؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ت فقد فيه أكبر الداعمين المساندين له في طريق الدعوة،  فزاد عليه البلاء، وتجرأ عليه السفهاء، ونالوا منه ما لم يكونوا يطمعون به في حياة أبي طالب، ومع هذا, فقد مضى صلوات الله وسلامه عليه في تبليغ رسالة ربه إلى الناس كافة.

الرسول يخرج إلى الطائف

ومع استفحال أذي المشركين، هنالك فكر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأول مرة بالهجرة من مكة؛ كي يكتسب أنصارًا جدد يعينوه على نشر الدعوة، فخرج إلى الطائف يلتمس النصرة من قبيلة ثقيف، ذات القوة والمنعة والنفوذ، وخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصحبة مولاه زيد بن حارثة، وذلك في السنة الثالثة قبيل هجرته الشريفة، فطاف بأشرافهم وعرض عليهم الإسلام، لكنهم لم يجيبوه واعرضوا عنه، وسلطوا عليه غلمانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه وجرحوا رأسه الشريف.

هنالك استظل الرسول بظل شجرة وصلى ركعتين، ودعا الله قائلاً:" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكِلني ، إلى بعيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ،أمْ إلى عدو ملَّكْتَه أمْري؟، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بالله". 

وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سمح لأصحابه المُعذبين في مكة بالهجرة إلى الحبشة منذ السنة الخامسة من بعثته الشريفة، قائلاً لهم إن فيها مَلِكًا عادلًا لا يُظلَم عنده أحد، ولا يقبل بالظلم أبدًا، وكانت بلاد الحبشة يومئذٍ على النصرانية، فهاجر جمع من المسلمين إليها، وركِبوا البحر حتى وصلوا إلى الحبشة آمنين. 

بيعة العقبة الأولى والثانية

كان النبي الكريم في تلك الفترة يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج، وأسواق العرب في عكاظ ومجنة وذو المجاز، لكن لم يجبه أحد.

وبينما كان يعرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه على القبائل في منى التقى بوفد من أشراف الخزرج سادة يثرب، وكانوا ستة أشخاص، هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامرـ وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله ـ رضوان الله عليهم ـ، فدعاهم إلى الإسلام، فقبلوا دعوته، وكان أهل يثرب يسمعون دائمًا من اليهود المقيمين فيها أن نبي آخر الزمان قد أظل وقته وأوشك على الظهور، فأمنوا بالرسول وصدقوه وعادوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام، فلم يبق دار من ديار يثرب حتى دخلها الإسلام، وفي الموسم التالي عاد وفد الأنصار إلى منى والتقوا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبايعوه بيعة العقبة الأولى. 

أوفد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أهل يثرب مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ ليعرفهم مبادي الإسلام وتعاليمه، وفي العام التالي، عاد مصعب ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فبايعوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم، بيعة العقبة الثانية، وأقسموا على تصديقه ونصرته، والسمع والطاعة له، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.   

الإذن بالهجرة

ومع اشتداد أذى المشركين، أُذن الله لنبيه وأصحابه بالهجرة، فعن أبى موسى الأشعرى، عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ  قال: "رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب". 

تسابق السابقون الأولون في الإسلام للهجرة إلى يثرب، هاجر أغلبهم سرًا خوفًا من أذي المشركين، فكان أول المهاجرين هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وقد احتجز المشركون زوجته آنذاك أم سلمة ـ رضوان الله عليها ـ، كما هاجر  بلال بن رباح وعمار بن ياسر، وسعد بن ابي وقاص وعبد الله بن أم مكتوم ـ رضوان الله عليهم ـ، بينما هاجر عمر بن الخطاب  ـرضي الله عنه ـ جهرًا لقوته، فوقف قائلاً لزعماء قريش:"شاهت الوجوه،  من أراد أن تثكله أمه ويُيتم ولده أو يُرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي"، فلم يتبعه أحد منهم، ومن الصحابة من مورست عليه الضغوط للحيلولة دون هجرته، مثل الصحابي الجليل صهيب الرومي، الذين خيروه بين الهجرة وماله، فترك لهم المال وهاجر، فتلقاه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلا:"ربح البيع أبا يحيي". 

هجرة الرسول

وما هي إلا أيام حتى لم يبق في مكة أحدا من المسلمين، سوى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر الصديق ، وابنته أسماء، وعلي بن أبي طالب ـ رضوان الله عليهم ـ ، وقد استأذن أبو بكر في الهجرة فأمره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتريث، ففطن أبو بكر إلى أنه قد يكون رفيق النبي في هجرته، فجهز راحلتين وعلفهما من ورق السمر لمدة أربعة أشهر. 

خافت قريش أن يهجر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلما هاجر سائر أتباعه من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، فاجتمعوا في دار الندوة، وأجمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة شابًا قويًا ويعطوه سيفا ويذهبوا للنبي في داره، فيضربونه بالسيف ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فلا تطالب بنو هاشم بدمه، لكن جبريل ـ عليه السلام ـ أوحي إلى النبي بمكيدتهم، وأمره ألا يبات في فراشه ليلة الهجرة. 

ليلة الهجرة

وبالفعل أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ بالمبيت في فراشه، حتى يظن المتآمرون أنه لا يزال نائمًا، وخرج الرسول ـ صلى اله عليه وسلم من بين أيديهم وهم لا يشعرون، وهو يحثو على رؤوسهم التراب، مرددا قوله تعالي في سورة يس"وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليًا برد الأمانات التي كان أهل مكة قد استودعوها عنده؛ لأنهم ورغم اختلافهم معه كان يودعون الأمانات والأموال لدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث كان معروفا باسم "الصادق الأمين". 

توجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلاً إلى أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ فلما رآه أدرك أن ساعة الهجرة قد حانت، فتهلل وجه الصديق قائلاً:"الصحبة يا رسول الله"، فقال النبي:"الصحبة يا أبا بكر"، وكان الصديق قد أعد للأمر عدته، فجهز الراحلتان، وأعطى أقواهما للنبي، وأخذ جميع ماله والذي كان يقدر بخمسة آلاف درهم، وتوجها سويًا إلى غار ثور أسفل مكة، واتفقا مع أحد أدلاء الطريق وهو عبد الله بن أريقط، وكان لا يزال مشركًا، على أن يوافيهما في الغار بعد ثلاثة ليال، ليسلك بهما طريقًا لا تطرقه قريش في أسفارها. 

وحينما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة ، وقف مودعا إياها، قائلا:"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك".

على طريق يثرب

وطيلة الليالي الثلاث، كان عامر بن فهيرة ـ مولى أبي بكر ـ يخرج لرعي الاغنام على طول الطريق الذي سلكه النبي والصديق؛ حتى يمحو آثار أقدامهما، وكان عبد الله بن أبي بكر يجلس طيلة النهار في مكة يرقب ما يدبرونه من مكائد، فإذا جن الليل أتى لهما بالطعام بصحبة أخته السيدة أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنها ـ، والتي شقت نطاقها لتجعلة سفرة لطعام النبي والصديق (والنطاق إزار ترتديه المرأة على خصرها)، فبشرها النبي بنطاقين في الجنة، وباتت تُعرف منذ ذلك الحين بـ"ذات النطاقين"، كما واجهت بشجاعة أبا جهل، الذي لطمها لطمة قوية حتى أسقط القرط (الحلق) من أذنيها ليعرف منها مكان النبي والصديق. 

وحينما علمت قريش بخروج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهجرته، جُن جنونها، وطفقت تجوب الصحراء بحثا عن محمد وصحبه، ورصدت لذلك جائزة تقدر بمائة ناقة لمن يأتي بهما، واستخدمت الأدلاء لاقتفاء آثار الأقدام، وانتهى بهم المطاف عند غار ثور، وحينها حدثت المعجزة.   

لقد أمر الله العنكبوت أن تنسج خيوطها على فم الغار، فيما باضت حمامتان في عش على بابه، وحينما وقف المشركون عند الغار، قال أبو بكر لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :"لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا"، حينها قال النبي قولته الواثقة بصر الله:"يا أبا بكر.. ما ظنك باثنين الله ثالثهما". 

وقد أنزل الله في هذا الموقف قرىنا يُتلى إلى يوم الدين، حيث قال عز من قائل في سورة التوبة:"إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(سورة التوبة ـ آية 40). 

صرف الله عن النبي وصحبة أذى المشركين، فقال بعضهم للآخر:"إن العنكبوت عليه قبل ميلاد محمد"، وبعد ثلاثة ليال انطلق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصديق ـ رضي الله عنه ـ بصحبة عبد الله بن أريقط في رحلة الهجرة، حتى وصل قباء يوم الإثنين 8 ربيع الأول في السنة الثالثة عشر من بعثته. 

استقبال الأنصار

وتشرفت يثرب باستقباله يوم 12 ربيع الأول، حيث خرجت المدينة لرؤيته الشريفة، وأنشد الأنصار "طلع البدر علينا .. من ثنيات الوداع.. وجب الشكر علينا .. ما دعى لله داع .. أيها المبعوث فينا.. جئت بالأمر المُطاع .. جئت شرفت المدينة .. مرحبا يا خير داع". 

وبعد الهجرة، شرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نشر دين الله، وأخذ بتأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة، وطيلة 10 سنوات بعد الهجرة، وانطلاقًا من دار الهجرة استطاع النبي أن ينشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: