Close ad

من لاتينية عبد العزيز فهمي لعامية لطفى السيد.. 3 معارك فكرية لتطوير "لغتنا الجميلة" في القرن العشرين| صور

5-7-2024 | 17:10
من لاتينية عبد العزيز فهمي لعامية لطفى السيد  معارك فكرية لتطوير  لغتنا الجميلة  في القرن العشرين| صور اللغة العربيةـ صورة تعبيرية

يبدو أن قضايا اللغة العربية التى تشغلنا اليوم لم تكن بعيدة عن تفكير أجيال سبقتنا، قادوا عصورا ذهبية في الإبداع والانتصار للغة العربية، ولكن تفحص هذه الحقب يبرز وجها مختلفا لهذه الأجيال الماضية والتي عانت مثلما نعاني اليوم من تعقيدات اللغة العربية وبدلاً من أن تكون وسيلة وأداة لينة في يد كاتبيها وعلى ألسنة متحدثيها أصبحت عبئًا ثقيلاً على غير المتخصصين بقواعدها وما أقلهم في إجادتها على النحو المأمول وأصبحنا نعمل لخدمتها ولتوقير قواعدها الكثيرة واستثنائتها التي لا حصر لها. 

موضوعات مقترحة

إن اللغات جميعًا مرت بتطورات عدة جعلتها مسألة هينة مما رفعها لتكون لغات ناقلة للعلوم والمعارف بسهولة ويسر كاللغة الإنجليزية مثلا فيما بقيت العربية على صورتها الأولى لم يطرأ عليها تعديل سوى إضافات بعض القدامى في العصرين الأموى والعباسي ..الحقيقة أن الفارق بيننا وبين من سبقنا من أجيال أنهم كانوا يجاهرون بمشكلاتهم مع العربية بشجاعة ويطرحون الحلول بينما نحن نتوارى من مشاكلنا كالنعام سواء بسواء.

لقد كان للمفكرين مشروعات قيمة لتطوير اللغة، قام الدكتور محمد فتحي عبد العال بعرضها في كتابه "نوستالجيا الواقع والأوهام"، ومنها:

مشروع عبد العزيز باشا فهمي


عبد العزيز باشا فهمي

عادة ما تأتي الحلول العملية من داخل اللغات لكن عبد العزيز باشا فهمي اختار حلا من خارج اللغة ذاتها وأصر عليه وهو استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية وذلك تأثرا بالتجربة التركية حيث أمر (كمال أتاتورك) باستخدام الحروف اللاتينية بديلا عن العربية، وهو ما لاقى امتعاض من الأهالي في بداية الأمر ما لبث وأن تحول إلى إعجاب ودهشة "إذ وصَل الطفل في شهرَين أو ثلاثة إلى قراءة أي مكتوب بها قراءة صحيحة" كما أنه أسهل في الطباعة .

عرض عبد العزيز باشا فهمي أسبابه في جلستي مجمع اللغة العربية في 24 و 31 يناير 1944م وجمعها في كتابه (الحروف اللاتينية لكتابة العربية)ونوجزها فيما يلي:

1- اللغة العربية من أسباب تأخر الشرقيين؛ لأن "قواعدها عسيرة ورسمها مُضلل"وأن الصيحات التي توجه لمعلميها في المدارس بالتقصير ليست في محلها والعيب في اللغة التي "ليس في مفرداتها وقواعدها أول يعرف أو آخر يوصف" فقواعد النحو والصرف بالغة الصعوبة والتعقيد والارتباك.

2-الحروف العربية وثنية "بلا نزاع" سواء أكان مصدرها النبطيون في شمال الجزيرة أو اليمنيون في جنوبها بينما "اللاتينية هي لغة النصارى وهم أهل كتاب أقرب إلينا معشر المسلمين من الوثنيين" !!. 

3-اللغة العربية ليست لغة واحدة، بل هي مجموعة لهجات أهل جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة جمعها أوائل المسلمين وكدسوا مفرداتها جميعا في المعاجم وأن فاصل زمني كبير بيننا وبين العرب الأولين وعصر النبوة فقد كانوا أهل فصاحة ينطقون عباراتها بالسجية فلم تكن تمثل لديهم مشكلة وبالمقارنة باللغات التي تحررت مما يثقلها فهو يصور حالنا "كالبراذين الدبرة المجرحة نجر حمل لغتنا ومن ورائنا سائق غليظ يسومنا صعود الجبل وليس لنا من منجد ولا مغيث". 

4- آفة اللغة هي رسم كتابتها فهو "علَّة العِلَل، وأسُّ الداء، ورأس البلاء" كما يرى أن رسم القرآن الحالي كوسيلة للاحتجاج بمخالفة الإجماع ليس في محله لأنه ليس "مأمورًا ديانةً باحترام رسم القرآن لأنه "غير توقيفيٌّ" ولم يفرض التعبد به وأن اللغة العربية لم ينشئها القرآن بل كانت لسان قريش الوثنية وأن المسلمين وضعوا النقاط على حروف القرآن في عهد عبد الملك بن مروان بالمخالفة للإجماع وقتها وأن أسعد يوم في حياته هو"اليوم الذي يرى فيه كتاب الله مرسومًا رسمًا يضبط بذاته كيفية أداء كلماته بلسان العالم والجاهل والمسلم وغير المسلم والعربي والأعجمي أداءً صحيحًا لا يحتمل لحنا ولا تصحيفا"، وأن السبيل لبلوغ هذه الأمنية هي"الحروف اللاتينية بما فيها من حروف الحركات وما يُضاف إليها من حروف عربية ذات نغمات لا تؤديها الحروف اللاتينية" !!.

ما نلاحظه في الكتاب غضبات الرجل تجاه الآراء المعارضة له والتي نقلها بكل أمانة وهو أمر يحسب له لكن أطرف غضباته ما سجله عباس العقاد في كتابه (رجال عرفتهم) أن إحدى الصحف نشرت استنكار الأمير محمد علي توفيق ولي عهد المملكة المصرية لدعوته لكتابة العربية بالحروف اللاتينية فثار عبد العزيز فهمي وتحدث بغضب شديد على مسمع من أعضاء نادي محمد علي والذي كان الأمير رئيسه قائلا :"أتحسبون أنني لا أحترم الأمير «محمد علي»؟ أتحسبون أنه حين يتكلم عن الكتابة بألفاظه الفصيحة «كخذروف الوليد» يستحق مني غير الاحترام؟ كلا، إنني مطالب باحترام ولي العهد بحكم الدستور!"

ثم خرج من النادي إلى قصر عابدين مُسجلاً في دفتر التشريفات وبدون مناسبة تمنياته أن يرزق الله الملك ولي عهد رشيد تقر به عيناه، هذا لا يمنع أن نطل قليلا على سيرة الرجل العصامي الذي جمع بين أعباء الوظيفة كمترجم في وزارة الأشغال العمومية ودراسته للحقوق وكان يجيد الشعر والزجل، لكنه كان  يمقت المظاهر والغرور و يبغض رؤية رجل في فمه سن من ذهب، ومما يقال عنه أنه عين حمارًا بالبريد كانت تملكه سيدة لا عائل لها حتى تنفق على نفسها من راتب هذا الحمار !!!. 

الحقيقة أن دعوة عبد العزيز باشا فهمي كان يمكن أن تنال العناية والدعم الكافيين لو لم يتطرق للمساس بالقرآن، فالكتب السماوية في كل الملل تبقى على صورتها التى أنزلت بها دون مساس سواء أكان توقيفيا أم لا ودخول عبد العزيز باشا هذا السجال، أضعف دعوته والتي كان من الممكن أن تجد صدى مثلما حدث مع اللغة الكردية التي خرجت من عباءة الحروف العربية إلى رحابة اللاتينية .

مشروع علي الجارم بك


علي بك الجارم

تقدم علي الجارم بك بمشروع لتيسير الكتابة العربية عرض على مؤتمر مجمع اللغة العربية عام 1944م بالتزامن مع مشروع عبد العزيز باشا فهمي، ويتلخص مشروعه في الإبقاء على جوهر الرسم الأصلي مع وضع زوائد أو شكلات جديدة متصلة بالحروف ولاصقة بها (كان العقاد ينعتها  بالزعانف) وأن تكتب الكلمات بحسب نطقها لكن المشروع جوبه بموجة من الاعتراضات لأنه يزيد الأمر صعوبة .

مشروع أحمد لطفي السيد


أحمد لطفي السيد

نظرا لصعوبات اللغة العربية وتعقد قواعدها وعدم قدرة معاجمها القديمة على مجاراة الحداثة فمن الطبيعي أن تخترق حياة الناس ألفاظ عامية بديلة رغمًا عن الفصحى .

وحتى نستطيع أن نضع أيدينا على حجم المشكلة في مجال كترجمة العلوم الحديثة في مطلع القرن الماضي فلم تكن الفصحى وحدها  لتفي باستيعاب المصطلحات الحديثة ولنضرب مثالاً على ذلك بكتاب "الزراعة المصرية الجزء الأول عنى بترتيبه، وجمعه المستر فودن سكرتير عام الجمعية الزراعية الخديوية بمصر سابقًا، وجناب المستر فلتشر ناظر مدرسة الزراعة بالجيزة سابقا وترجمه إلى العربية عبد الحميد فتحي بك مدير قسم التعليم الزراعي بالأقاليم، وألفونسو جريس أفندي مدرس بمدرسة الزراعة العليا، ومحمود توفيق أفندي ناظر مدرسة الزراعة المتوسطة بمشتهر، وصححه الشيخ محمد عبد المطلب مدرس بمدرسة القضاء الشرعي، وتحت إشراف صاحب السعادة  أحمد حشمت باشا ناظر المعارف العمومية (كان مؤسس التعليم التجاري في مصر ومن المبادرين لتطوير التعليم الفني وأول من وجه لوضع علامات الترقيم وأول من سمح بنظام الملحق للراسبين في مادة واحدة )عام 1910م". 

لقد نقلت حرفيًا ما جاء على غلاف الكتاب لتكون معي عزيزي القارىء على مقربة من حجم الجهد المبذول في الترجمة للعربية : ثلاثة مختصين ومصحح ومع ذلك يقول المؤلفون في مقدمة هذا الكتاب القيم:"أنهم راعوا استخدام اللغة الفصحى في "مفرداته جهد المستطاع" لكن "الحق يقال أن العامية خدمتنا في عملنا هذا خدمة جليلة فقد كنا إذا سد أمامنا باب معنى من المعاني أو ضللنا طريق البحث عنه عمدنا إلى لفظه العامي وجعلناه وسيلة إلى المعجمات وقلما لم نجده فيها إما بعينه أو بتحريف قليل".  

كما ظهرت المعاجم الخاصة بالعامية ومنها "معجم الألفاظ الحديثة" عام 1919م تأليف محمد دياب بك أحد المفتشين السابقين في نظارة المعارف، وأشرف على مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية التي كان يرأسها الشيخ محمد عبده وهذا التقديم للرجل نهدف منه أن نفهم أننا أمام رجل تربوي يدرك أهمية تحديث اللغة. ضم المعجم كلمات من مستحدثات العصر في أوائل القرن الماضي ومعانيها منها : "برنجي (الأول)" و"قادين (سيدة)" و"بزرميط" و "بصمجي" و"بنتوفلي (خف)" و"تخت (سرير)" و"فاتورة"و"روزنامة" لكن أجمل ما قرأت في المعجم كان تقديمه لمعنى "جدع" أي "شاب .قوي .نشيط" وأنها محرفة عن جذع قال ورقة بن نوفل "يا ليتني فيها جذع "يتمنى أن يكون شابا حين تظهر نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فينصره نصرا مؤزرا". 

نعود لموضوعنا ولأن المسرح يعكس حياة الناس فقد حاول أرباب هذا الفن الخروج من عباءة الفصحى مبكرا فمثلا في حوار مع (انطون يزبك) حامل لواء التأليف المسرحي في مصر عام 1926 وكان يكتب بالعامية ولكثرة السؤال عن ذلك أرفق مع رواياته ورقة تشرح الأمر بقوله :"كتب المؤلف روايته باللغة العامية الدارجة لأنه يعتقد أنها تطور طبيعي للعربية الفصحى وأنه لأمر ما اختارها الملايين من الناس منذ أجيال لتكون لغة التخاطب بينهم يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم " وأن اللغة العامية الأقرب لدور التمثيل. 

كل هذا لم يكن أبدا بمفازاة أيضا عن ذهن المفكرين في هذه العهود فكانت دعوة أحمد لطفى السيد للعامية ولكن تحت مسمى يغازل الحس الوطني المصري وهو "تمصير اللغة العربية"وكانت الدعوة مبكرة على كل ماسبق وتحديدا عام 1913م، وتلخصت دعوته في النقاط التالية :

1-اللغة العربية تبدو واسعة في المعجم لكن "ضيقة في الاستعمال" مليئة  بالمعاني والمسميات القديمة، لكنها فقيرة  في المعاني الجديدة  وأن لغة الاصطلاحات العلمية قد توقفت  عند "أيام النهضة العباسية" 

 2- الأسماء الأعجمية مثل "الأوتومبيل والبسكليت والجاكيته والبنطلون والجزمة والمودة" دخلت اللغة بشكل كامل على ألسنة العوام وأن "النحت من اللغة وعلى موازين اللغة" مسميات جديدة لها "لا يستعملها إلا بعض الكتاب" "من غير أن تدخل في أحاديث العوام ولا في أحاديث الخاصة أنفسهم "سيعمل على "توسيع مسافة الفرق بين لغة الكتابة ولغة الكلام وذلك مؤخر للغة البيان والفصاحة، للتقدم من جميع الوجوه". داعيا الى التساهل في قبول المسميات الأوربية وإدخالها في الاستعمال الكتابي "كما أدخلها الجمهور في المخاطبة".

3- كان أحمد لطفي السيد من أنصار الفوضى الخلاقة  في التطور اللغوي  فيرى أنه "لا بأس بالفوضى إذا كانت لازمة لحال التطور وصارفة لنا عن هذا الجمود الذي نحن فيه" ويقول أيضا "إن الخروج باللغة من جمودها إلى طور جديد لا بد فيه من الفوضى الموصلة إلى الطور الراقي المتفق مع أطماع الأمة عن التقدم في كل شيء إلى الأمام".

4-اقتراحاته لا تمنع من تطور اللغة العربية وفصاحتها مع قصر استعمال الألفاظ  التي "لا حاجة لنا بها" في الشعر عند الوزن.

لا يمكن تجاهل أن العامية أصبحت واقعا بالفعل فالويكيبيديا (الموسوعة الحرة) مصدر المعلومات السريع للشباب مثلا تصدر موضوعاتها بالعامية بالإضافة للفصحى.

في النهاية ما نهدف فيه في هذا المبحث ليس إحياء هذه المحاولات والتي لا أجدها حلولا عصرية لمشكلات اللغة  حاليا فهي حلول خارجة عنها في مجملها وحل المشكلات لابد وأن يكون من داخلها وتسهيل قواعد النحو والإملاء والاستغناء عن غير الضروري منها أهون من التحول للعامية بالكامل أوالاستعاضة عنها بحروف أجنبية .

د.محمد فتحي عبد العال
كاتب وروائي وباحث في التاريخ والتراث المصري


طريقة كتاب الحروف العربية باللاتينية كما أوردها عبد العزيز باشا فهمي

غلاف كتاب معجم الألفاظ العامية لمحمد دياب بك

كتاب نوستاجيا الواقع والأوهام للدكتور محمد فتحي عبد العال

الدكتور محمد فتحي عبد العال
 
                               

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة