Close ad

فرصة الحكومة الجديدة: أوروبا تراهن على "رخاء مصر" لاستقرار المنطقة

4-7-2024 | 16:25

بات واضحًا أن دورًا كبيرًا متجددًا أصبح مطلوبًا من مصر، والمهم هنا أن أوروبا "الجار التاريخي" لمصر تبلورت خياراته الإستراتيجية  حول ضرورة دعم مصر، وهذه المرة الأولى التي تتحدث فيها أوروبا عن "الرخاء" و"الاستقرار" في مصر بصورة متلازمة، والأهم أن ذلك ليس من أجل مصر؛ بل لأن استقرار مصر يعني استقرار المنطقة.

وإذا ما تعمقنا في هذا التطور فإنه يعني أن أوروبا أدركت أن  الاستثمار في رخاء مصر، ومساعدة القاهرة لكي تصبح "قصة نجاح"، ونمرًا اقتصاديًا على ضفاف النيل هو الخيار الأمثل والواقعي؛ لمواجهة المشكلات في منطقة الشرق الأوسط.

وببساطة مصر هي نصف العالم العربي، وهي النموذج والقائد الذي يتطلع نحوه الجميع، ومن هنا لو نهضت مصر بقوة يمكنها أن تساهم في نهضة واستقرار الكثير من الدول العربية.

وأحسب أن هذه رؤية طالما دافعت عنها مصر، وطالبت النخبة المصرية كثيرًا في حواراتها مع أوروبا بضرورة الرهان على خيار الاستثمار الكبير في مصر، وعدم رؤية مشكلات المنطقة من زاوية الأمن ومشكلات الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

ويبدو أن أوروبا قد أدركت وجاهة وعملية هذا التوجه، وقررت أن تكون القاهرة "شريكا إستراتيجيا لأوروبا"، وهذا يوفر فرصة نادرة للحكومة المصرية الجديدة، ويفرض عليها تحديات كبيرة من أجل سرعة ترتيب البيت من الداخل، وذلك لاستقبال الاستثمارات كبيرة الحجم، وسرعة تحديث جهاز الدولة البيروقراطي، والعمل على توفير المزيد من العمالة المدربة. والنقطة المهمة سرعة توفير البنية التحتية لاستقبال 60 مليون سائح، في الأغلب معظمهم من أوروبا ودول الجوار، والأمر الآخر هو أن تستعد الحكومة الجديدة لمشكلات الرخاء والنجاح، فمن المؤكد أنه بمجرد دوران عجلة الرخاء، فأن القاهرة لن تكون جاذبة فقط لمواطني دول الجوار؛ بل ستكون مغرية للأوروبيين للقدوم للعيش بها؛ بسبب جوها المعتدل وشعبها الودود وفرص العمل الجيدة.

.. تري هل هناك بالفعل فرصة، والإجابة بالقطع "نعم وبقوة"، وأخشى  أن أقول إن مخاوفي تنحصر في عدم تحركنا بالسرعة المطلوبة، أو تكاتفنا معا لانتهاز هذا التحول الكبير، والذي يأتي نتيجة عمل الكثير من رجال مصر المخلصين على مدى سنوات، وهي الجهود التي توجت بنجاح الرئيس السيسي في إقامة علاقات متميزة مع قادة أوروبا، وخاصة ألمانيا وفرنسا، ورئيسة المفوضية الاوروبية الحالية أورسولا فون دير لاين.

 ..  ولعل ما يدشن بوضوح دخول علاقات مصر وأوروبا مرحلة جديدة ومتقدمة ما صرحت به فون دير لاين  خلال افتتاح مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي المشترك، فقد قالت بوضوح "استقراركم ورخاؤكم ضروريان للمنطقة بأكملها".

 .. ولم يكن الأمر مجرد كلام، بل كان جهدًا هائلا في سياق حملة أوروبية لتحفيز الاقتصاد المصري، وأعلنت فون دير لاين السبت الماضي خلال مؤتمر استثماري بالقاهرة أن شركات أوروبية بصدد توقيع صفقات قد تتجاوز قيمتها 40 مليار يورو (42.85 مليار دولار) مع شركاء مصريين.

وجاء إعلان فون دير لاين عن أكثر من 20 اتفاقًا أو مذكرة تفاهم جديدة مع مصر عقب حزمة تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليار يورو والاتفاق في مارس على رفع مستوى العلاقات مع القاهرة، فيما تحاول مصر احتواء تداعيات الصراعين في غزة والسودان ومع سعي الدول الأوروبية للحد من تدفقات المهاجرين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
..
وأكدت فون دير لاين أن الشركات التي تتطلع إلى الاستثمار في مصر تعمل في قطاعات منها الهيدروجين والإنشاءات، إدارة المياه، والكيماويات، والشحن والطيران.
وقالت ديتي يول يورجنسن، المديرة العامة لإدارة الطاقة بالمفوضية الأوروبية، إن قطاع الطاقة استحوذ على نصف الاتفاقات المبرمة تقريبًا.

ومن جانبه أكد الرئيس السيسي أن المؤتمر يأتي في "وقت شديد الدقة" في ظل أزمات دولية وإقليمية متعاقبة، وإنها تتطلب التنسيق بين أوروبا ومصر. وكشف في كلمته عن أن من المنتظر حشد استثمارات أوروبية تقدر بنحو 5 مليار يورو، إلى جانب ضمانات استثمار بقيمة 1.8 مليار يورو للقطاع الخاص، بما يسهم في زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتمكين مجتمع الأعمال الأوروبي من الاستفادة من الإمكانات الاستثمارية المتاحة في مصر.

ومن جانبه يري وزير خارجية مصر الجديد بدر عبدالعاطي أن اتفاقية الشراكة الإستراتيجية مع أوروبا ومؤتمر الاستثمار الأوروبي الأول في مصر  جاءا نتيجة الاستقرار في مصر، وقوتها وتماسكها، ولدورها الإقليمي والريادي ودورها الدولي، لذلك لم يجد الاتحاد الأوروبي دولة يعتمد عليها في حفظ الأمن والاستقرار مثل مصر.

وأشار إلى أن بقية دول العالم تحرص حرصًا كبيرًا على أن يكون الدور المصري مهمًا ونشيطًا حتى لا يحدث في المنطقة  أزمات أكثر مما هو قائم بالفعل.

.. وأحسب أن الغالبية العظمى من دول ونخبة العالم باتت تدرك أن الدولة المصرية راسخة وقوية، وأنه لا غنى عن دورها الإقليمي والدولي.

وفي الوقت نفسه أصبح الآن واضحًا للعيان، ومشهودًا به، حقيقة أن مصر ركيزة الاستقرار في هذه المنطقة التي تموج بالصراعات.

.. ويبدو أن الحكومة المصرية لا تملك رفاهية الوقت، فقد أعلنت عن مشروع سياحي ضخم على البحر المتوسط، وهو مشروع شراكة استثمارية بين الدولة والقطاع الخاص، بالساحل الشمالي، وهو مشروع SouthMed.

ويقع ساوث ميد في موقع فريد على ساحل البحر المتوسط بمنطقة سيدي عبدالرحمن بالكيلو 165 على طريق الإسكندرية – مطروح، ويتيح موقعه الإستراتيجي سهولة الوصول إليه من الدول الأوروبية والخليجية في مدة تتراوح بين 2-5 ساعات جوًا، ويبعد المشروع مسافة 18 دقيقة فقط من مطار العلمين الدولي.

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن الدولة حريصة على التركيز على الساحل الشمالي لمصر لمضاعفة عدد السياح، وستكون واحدة من النقاط التي يمكن توطين الزيادة السكانية بها الفترة المقبلة.

ولفت إلى أن مصر قادرة خلال الفترة القادمة على جذب ضعف عدد السائحين، موضحًا أن مشروع SouthMed، يضيف للرؤية المتكاملة التي تضعها الدولة للساحل الشمالى وتنميته.

ومن جانبه قال هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، إن المشروع يضاهي أكبر المشروعات العالمية، موضحًا أنه على مساحة 23 مليون متر مربع باستثمارات تريليون جنيه، لافتًا إلى أن الاستثمار المحلي قادر على توريد مشروعات تضاهي المشروعات العالمية، وخلق بيئة تنافسية بين الاستثمار المحلي والأجنبي.

وأكد أن مشروع "ساوث ميد"، وجهة سياحية عالمية يجذب عوائد دولارية ضخمة للدولة المصرية، موضحا أن حصة الدولة في عائد مشروع" ساوث ميد" تريليون جنيه، وأن مشروع "ساوث ميد" حقق مبيعات 60 مليار جنيه بعد ساعات من فتح باب الحجز.

.. وإذا ما تمعنا في حقيقة المشهد، وكيف وصلنا إلى هنا فإن الإجابة باختصار هي مثلما يقول جمال حمدان "عبقرية المكان"، وهو أول ما يلفت نظر رجال الأعمال قبل الساسة ومراكز التحليل العالمية، وهو ما ركز عليه المتحدثون خلال مؤتمر الاستثمار الاوروبي، فقد أشاروا إلى موقع مصر الإستراتيجي بين أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، وقدرتها على تصدير الطاقة النظيفة، وتوفير عمالة ماهرة غير مكلفة للشركات الأوروبية التي تتطلع إلى نقل عمليات التصنيع إلى أماكن قريبة من الأسواق المحلية.

ويسعى مسئولون أوروبيون لمساعدة مصر، والتي عانت من صدمات متكررة مثل تبعات الحرب في أوكرانيا وجائحة كوفيد-19، مما كشف عن ضعف الاقتصاد، ويؤكد المسئولون الأوروبيون حرصهم على مساعدة مصر  لتصبح أقوى من خلال تعزيز الاستثمارات والقطاع الخاص.

. . ويأتي ذلك في سياق الحرص على دعم مصر، فقد سبق أن تلقت مصر هذا العام تمويلًا أجنبيًا ضخمًا غير متوقع فضلا عن تعهدات من جانب الإمارات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك الاتحاد الأوروبي، وأدى ذلك إلى تخفيف أزمة العملة الأجنبية المستمرة منذ فترة طويلة وشجع الحكومة على الالتزام بإجراء إصلاحات تشمل تطبيق سعر صرف أكثر مرونة، ووضع ضوابط على الإنفاق خارج الميزانية، وتعزير دور القطاع الخاص إلى جانب الدور القوي للدولة  في الاقتصاد.

.. وأحسب أن زمنًا جديدًا يتشكل أمامنا بفرصه وتحدياته، وهو ما يفرض علينا تغيير الإيقاع وجودة الأداء وصولا للمعايير العالمية، وقد حملت الحكومة رسالة إيجابية بضخ دماء جديدة في أوصالها، لكن المهم الآن هو كيفية الاستفادة من ذلك في إنتاج سياسات جديدة قادرة على انتهاز الفرص، ومواجهة التحديات الدولية والإقليمية والداخلية لا سيما في المجال الاقتصادي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: